فهرس الكتاب

الصفحة 889 من 1574

سمعت الأم صوت أقدامه فنادته بصوت عال. جلس وراح يستمع إلى فاطمة وهي تخبره بأمر سفر مريم. وجلست الأم تنظر إليه لعله يحتج ويرفض فيطفئ ما في قلبها من نار فتطمئن وتعود لممارسة حياتها وكأن شيئًا لم يكن، وكأنها رأت في منامها القصير قبل قدوم ذلك الغريب كابوسًا مزعجًا أفاقت منه وقالت لنفسها"لعله خير"ونسيته.

وكعادته خيب قاسم أملها فسأل مريم:

-ستسافرين إلى روسيا إذن؟

ردت مريم بصوت منخفض: -نعم.

-وستدرسين الهندسة؟

فقالت الأم محاولة حث قاسم على الاحتجاج:

-لا أعرف كيف تسافر فتاة في الثامنة عشرة من عمرها وحيدة إلى دولة غريبة. ففي أي زمن نعيش، لا أدريّ

وتوجهت إلى مريم:

-حين سافرت شماء إلى العاصمة القريبة ترددنًا وقلقنا. أما أنت فلا تعجبك سوى البلاد البعيدة.

خافت مريم أن يتأثر قاسم فعليًا بكلام الأم، لكنه فاجأها بالقول دون أن يولي كلام أمها اهتمامًا:

-حين ستعودين مهندسة سنعمل معًا في البناء!

ولم تفهم مريم أكان جادًا أم ساخرًا؟

تساءلت الأم مضطربة وهي تشعر بأن الأمور باتت تتطور بشكل جدي دون أن تستطع إيقافها:

-ألا تمانع في سفرها؟

فرد قاسم باستغراب مفتعل:

-وهل تستشرنني الآن؟ لقد فهمت أن فاطمة تخبرني وحسب، فما قيمة رأيي حين أكون آخر من يعلم؟

زاد اضطراب الأم، فقالت:

-ولكن..

ولم تدر بماذا تكمل كلامها. فصمتت بحزن. حاولت فاطمة أن تطمئنها:

-لا تقلقي يا أمي، ستمر السنوات دون أن تشعري بها، وستعود مريم إليك مهندسة تفتخرين بها.

راح قاسم يسأل عن تفاصيل الموضوع وعن وقت السفر وعن أمور أخرى لا تهم الأم بشيء، فاستمرت صامتة تفكر بالسنوات الطويلة التي ستضنيها.

خرج قاسم. وسكن الليل، وأوى كل إلى فراشه.

وبينما كانت الأم تطلق تنهداتها كانت مريم تنصت إلى صوت السيارات الذي لا ينقطع في ذلك الشارع المحمل برائحة السفر. كان يهيج في داخلها حنينًا إلى عالم بعيد فتشعر بالفضول والذعر والشوق معًا،

يمتزج في ذهنها حزن أمها بصوت السفر،

يمتزج الذعر بالحنين،

وتغفو على آهات أمها وضجيج السفر.

مرت أيام عشرة بعد ذلك اليوم سريعة، متراكضة تحمل إليهم موعد الرحيل. عشية السفر لم تشأ شماء أن تودع مريم، قالت وهي خارجة:

-إنني لا أطيق الوداع. لنفترق وكأننا سنلتقي غدًا من جديد.

ولم تتمالك مريم نفسها فحاولت الاقتراب منها كي تحضنها، لكنها ابتعدت عنها راجية:

-أرجوك يا مريم، لا تستفزي دموعي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت