فهرس الكتاب

الصفحة 890 من 1574

وركضت نحو سيارة زوجها فجلست فيها لتنطلق السيارة كالسهم. أدركت مريم أن شماء كانت مثقلة بدموع حارقة، فهربت لتحترق بها وحيدة.

أما عائشة فقبلت مريم طويلًا، حضنتها وبكت، ولم تزودها بكثير من النصائح كما كانت تفعل مع شماء. وقالت وهي تمسح دموعها:

-حافظي على نفسك هناك وعودي سريعًا مهندسة نعتز بك.

وصار للحزن في تلك الليلة مخالب تجرح روح الأم.

فتمنت أن تمد يديها لتغلق بهما مخرج الشمس.

لكن الشمس أشرقت سريعًا وجاء الصباح.

جهزت مريم نفسها واستعدت. وراحت تودع كل شيء في البيت، حتى الغرفتان الطينيتان أحبتهما في تلك اللحظة. تظاهرت بنسيان شيء في المطبخ فتوجهت نحوه، وقفت في داخله، وحضنت بنظراتها آخر مرة كل شيء فيه ونظرت إلى المكان الذي كان ينام فيه أبوها وبكت. وبحثت عن سكينه وقبلتها وضمتها إلى صدرها.

ثم دخلت الغرفة الأخرى ونظرت إلى الزوايا التي طالما جلست فيها، إلى السقف وجحوره وقالت في نفسها: ما زال صامدًا! وتمنت أن يبقى هكذا إلى حين عودتها.

أحست أن الجدران مشبعة بأنفاس طفولتها، وخيل إليها أن الغرفتين تبكيانها، وستدلف قريبًا من السقف قطرات دمع. وظلت تحدق إلى الفراغ والشقوق والجحور وتبكي إلى أن سمعت صوت زوج شماء الذي أتى ليقلها إلى المطار، فخرجت. راح قاسم وزوج شماء يضعان الحقائب في صندوق السيارة.

ودعت مريم أطفال قاسم وزوجته، واستعدت فاطمة للانطلاق معها. جلس قاسم في المقعد الأمامي، وحين همت فاطمة بدخول السيارة، قالت الأم:

-دعوني أذهب معكم

فردت فاطمة:

-لا يا أمي. من الأفضل أن تبقي هنا. فالطريق طويلة ومرهقة وسريعًا ما ستأتي عائشة فلن تبقي وحيدة حتى عودتي.

ثم دخلت السيارة وجلست في المقعد الخلفي تنتظر مريم.

اقتربت مريم من أمها. ها إن اللحظة التي تخافها قد حلت، وستنهار لا محالة، وأحست بيدي أمها تلتفان حولها وكأنهما لن تفلتاها أبدًا، لم تكن نفسها تود الإفلات في تلك اللحظة. امتزجت دموعهما ودقات قلبيهما، وحطم البكاء أي كلام يمكن أن يقال.

بكت الأم بصوت عال ولم تقوَ على قول شيء.

وبكت مريم حتى تمزقت كل أوتار حنجرتها فلم تقل لأمها"وداعًا".

استحثها قاسم على الركوب كي لا يتأخروا عن موعد السفر، فأفلتتها الأم. دخلت مريم السيارة وجلست وراحت تنظر إلى أمها التي وقفت مسندة ظهرها إلى السياج وهي تخفي يديها وراء ظهرها، فقد خذلتاها ولم تقويا على الإمساك بمريم فراحت تحدق إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت