انطلقت السيارة، ورأت مريم عيني أمها تنطلقان وراءها.
ابتعدت السيارة واختفت الأم عن ناظريها، لكن عينيها بقيتا تركضان وراءها تتعلقان بها، ترجوانها أن تكف عن هذا المزاح الثقيل وتعود، ثم تروحان تعاتبانها.
ابتعدت السيارة كثيرًا، وتعدت حدود القرية وعينا أمها لا تتراجعان، رأتهما وقد تعبتا من الركض وراءها.
رأتهما تلهثان، تبكيان، ترجوان.
لكن السيارة تسرع مبتعدة بها.
وعينا أمها لا تكفان عن الركض وراءها واستجدائها، حتى وصلت السيارة المطار.
مر الوقت هناك سريعًا، وكانت مريم تروح وتجيء باضطراب، وتشعر لحظاتٍ بأن كل ما يحدث غير واقعي، وأنها لا بد أن تستيقظ في اللحظة التالية لتجد نفسها في غرفتهم فتخرج إلى المطبخ تطالعها أمها هناك وهي تقوم بعمل ما، وتجد كل شيء في مكانه وكأن عاصفة لم تثر ولم تبعثر الأشياء والأفكار والعواطف.
أفاقت على ضجيج الطائرات، وتنبهت إلى أنها واقفة أمام فاطمة لتودعها.
-فلتبكي إني أحب عينيك حين تبكيان. إنهما تزدادان جمالًا! ألم يقل لك أحد ذلك من قبل؟!
ضمتها فاطمة بشدة وقبلتها فبللتها بالدموع وابتعدت. ثم اقتربت مريم من قاسم. وقفا تفصلهما مسافة قصيرة. ارتبكت ومدت يدها، لكنه شدها إليه وحضنها. وأحست بشيء ينفجر في داخلها: آه ما أجمل وأتعس هذه اللحظة! لماذا لم يحدث ذلك من قبل؟!! قبلها على خدها وأحست بشعر ذقنه يخز وجهها وقلبها، وتمنت بصدق في تلك اللحظة أن تبقى، ثم ضمها زوج شماء وتمنى لها التوفيق. وانطلقت.
جلست مريم بمحاذاة النافذة الصغيرة في الطائرة واستعدت لمراقبة بلدها من فوق. حلقت الطائرة. وقررت مريم في داخلها أنها سترى الآن قريتها الصغيرة، سترى أسطح البيوت، وستميز بيتهم، وسترى نقطة سوداء تتحرك في ساحته. وستفهم أن تلك النقطة هي أمها. ستراها وستعرف ماذا تفعل في تلك اللحظة، وقد تكتب عن ذلك في رسالة تخطها ما أن تصل.
ارتفعت الطائرة عاليًا، وحدقت مريم من خلال النافذة فلم تر قريتها ولا بيتهم ولا نقطة سوداء. رأت مساحات كبيرة تكسرت الحدود بينها وذابت جميعها في أصفر لا متناه تنتصب الشمس فوقه وتناغيه بألسنتها المشتعلة فيزداد اصفرارًا.
حلقت الطائرة مبتعدة ببطء عن الأصفر.
وتباعد عن مريم ذلك المكان،
تباعد عنها ذلك الزمان،
ولم تكن تدرك وقتئذ أنهما سيستمران بالتباعد وإلى زمن طويل قادم!
إلا عينا أمها.
النهاية
هذا الكتاب