ما يربطنا هو فقط ما يتقاطع من لغتي مع حسك، ومن حزني مع خيبتك، ومن أنوثتي مع شهوتك، ومن غبائي في البوح مع ذكائك في الفضول، ما ستسمعه قد يكون ضربًا من الجنون أو من الصحوة أو لعله هذيان أحزان.. فعندما تحزن تثبت للإنسانية أنك جدير بالبكاء. وعندما تفرح تضحك عليك الإنسانية.
فمن أيّ نافذة تطلّ على الفرح، لتجد نفسك في مكيدة للبكاء أيضًا...
أنتَ تصلح للتهكم ولمقايضة الدنيا بدموع ساخنة، خاصة عندما تعي أنك سليل عائلة عاش أمواتها زمن الخوف والجوع والاستبداد.
أي ابتسامة زارتْ وجهكَ وأنت تقفُ على هاوية الأمل الكاذب كحد الجرح آن يتماثل للنزف، وكحد الوقت آنَ يشفى بالنسيان.
انظر إلى أكف البساتين المتعبة، ترى أنها تقيم الصلاة على خرابها وتبكي بثمر لا يطؤها إلا سراب من مطر حزين، فكيف تضحك على صدورها سنابل أو أشجار أو رجال؟!
لا يسعني وأنا أرى خرابة بكل هذا التأذّي إلا أن أسخر من تفاؤل أجدادي بالآتي وأجدادي شديدو الإخلاص لأجدادهم، فتخيّل كم عاهة يحتمل هذا البلد.
ـ بلدتي قرية كبيرة، توارثت عن أجدادها حنكة النميمة.
زارتها الحضارة مؤخرًا بأشرطة الفيديو وأجهزة التلفاز، لكنها ظلت محتفظة بكل عاداتها، أقصد بكل أمراضها فتلك الأجهزة لم تزدهم سوى ساعات ماجنة، يبقون طوال الليل يتأملون أجساد الغرباء، وطوال النهار يلعنونهم، وكأن تلك الأجهزة لم تُخترع إلا للفساد ولإضافة سلبيات أخرى على رداءة أخلاقهم.
لماذا لا يفطن أحد لوجود الله إلا في معرض الحديث، لماذا لا يكون شيوخنا قدوة تحملنا من مستنقع يائس إلى هضبة نائية أو تحمينا من شياطين لا تسكن إلا في خرافاتنا ومنازلنا المعتمة..
ولماذا يرتجف صوت المؤذن ظهرًا أو يقطر دمًا عند الفجر، ولماذا لا يجرؤ أحدنا على الصرّاخ إلا في منزله وعلى من يستحق المؤازرة؟!
زمن أغبر من سابقه وأحزن من تاليه، لأننا فيه لا نجيد سوى البكاء وترتيب الأحلام حسب صراخ الأب والزوج.. والمختار.
بلد قايض بمفكريه أسلحةً لدمار الباقي.
واشترى ما يلهي الأغبياء، اشترى صورًا لنساء الغرب يتباهين بأثدائهن أمام شهوة الكبار والصغار، المذبوحة على رائحة الأحلام.
بلد توأد فيه الأنثى لو عرفت أنَّ لعَرقِها رائحة الدّعوة. ويداس فيه الرجل لو سمح لقلبه أن يقوده إلى أنثاه.
بلد يستسلم للعرّافين كي يَقْبَل الزوج بقرته وكي تَقْبَل الزوجة بغلها..