فهرس الكتاب

الصفحة 895 من 1574

ولدتُ في صفصافة على خد ساقية خلف رابية عجوز، عرفت فيه نغم الترقرق وصراخ الرق. وعرفت فيه أنني لو أردت الحياة فيجب أن أبقى الأعلى ولو على تلة الجثث التي نأكل لحمها كل يوم.

قرية خلف إحدى الروابي وعائلة خلف جدار الجهل، كيف يهرب والدي من نظرة الشفقة في عيون الجوار فبيته لا يحوي إلا النساء، أمي وأختي ميس وأنا، رولى وهو الديك الوحيد فوق هذه المزبلة.

أدرك والدي أنه في ورطة طالما أنَّ خلفته بنات، وعرف حجم الكارثة لو أن أثداءهن تشامخن إلى حدّ النهوض بالقميص إلى أحلام الشباب، ووالدي بحكم تجارته يعرف الثمين من الرخيص فقرر الرحيلَ بكل مخاوفه إلى بلد لا يعرفُ عن ثرائه سوانا أنا وأختي.

وكعادته حمل في ذاكرته كل شوائب البلد وتدثّر بنسيمه ذات صباح وغادره باكيًا.

سافرنا إلى بلد ضاع فيه والدي (بيروت) فلو بقي بسرواله لصار أضحوكة الشارع. ولو خلعه لبقي طوال عمره يبكي على نفسه، وكأنَّه خان كل من تركهم خلفه. ظل والدي ستة أشهر يشعر بالبرد أو بالخوف.. لست أدري لكنّ صوت نحيبه في الليل كان يقول أنه يشعر بالضياع..

لم تكن أمي مثله وكأنَّ النساء أقدر على التلاؤم مع المحيط، أو لعلهن أكثر نسيانًا، ومع مرور الوقت كان أبي يستسلم لقرار البحر.

صعب على من عاش مواربًا خلف الهضاب أن ينفتح مباشرة على المدى. والبحر!! أستاذ يعلمكَ كل يوم حكمة من أسراره تفاجأ أنه قد لا يكررها ثانية.

بيروت تلك المؤهّلة لأن تكون جنة الله على الأرض تخشى من عبادها غير المؤهّلين للإقامة فيها.

وتخشى من رائحة الجهل القابعة تحت رؤوسنا.

ومن رائحة الجبن العفنة التي تسكن عباءة والدي، ويرفض أن يرميها وكأنها التاريخ الذي يربطه بكلّ البقر هنا.

كي يهرب من ذاته أكثر فاجأ أمي بالرحيل إلى البرازيل على ظهر سفينة يعمل عليها بأجرة نقله إلى هناك. ولم يحدد موعد العودة وكأنه يخيّرها بين العودة إلى قريتنا وبين العمل لتأمين حياتنا.

فهمتْ أمي لغز التحدّي لكنها فضّلت الصمت ككل نساء الشرق على مواجهة الخوف القابع في عينيه، وعلى هروبه من المسؤولية، ومن نحيب ابتعد أخيرًا مع بوقٍ قاسي النبرة، كركاب السفينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت