فهرس الكتاب

الصفحة 897 من 1574

مسكينة أمي.. فقياس المسافة بينها وبين والدي بات صعبًا. ولكن ليس بقدر صعوبة أن يرانا بهذا الشكل.

فاته الكثير من تفاصيلنا ولم نكُ ننوي قبل اليوم أن نعرف شيئًا عن تفاصيله إنه ببساطة نذر نفسه للغربة.

الآن عرفت لماذا لم تغيّر أمي مسكننا كل هذا الوقت، ليدخل علينا حاملًا شوقه وآماله وأمنياته ويرمي لنا بما يحمل من متاع متّسخ وببعض الهدايا التي يظن أنها تسدُّ جوعنا إلى الأبوّة، وكأنّ الأب هديّة بعد طول هروب. رششتُ على أمي ماء الزهر لتصحو وأمي لا ترش إلا بماء الورد والزهر. تماثلت إلى اليقظة وتساءلت:

هل حضر والدكما؟.

ليس بعد.. ما زالت تعاند دقات قلبها، إلى أن سمعنا صوت الجرس، هرولت ميس لتفتح الباب، تسمّرت أمي في مكانها، إلى أن دخل بكامل شوقه وبعنفوان رجولته، يختصر الزمان بكلمات بسيطة! ويقول:

ها أنذا قد عدت كيف حالكم؟!

أول من ركض إلى احتضانِهِ أمي، فما كان منه إلا أن قال: (عيب البنات هنا) . وقعت أمي أرضًا تلملم خيبتها، وتخلع له حذاءه؟!

وتقول: تعالين يا بنات قبلن والدكما.

تعالت أصوات ضحكاتنا المدوّية مع شهقات أمي اليائسة ونحن نقول أوه"نو""إمبُوسِبل".

صعب عليك أن تصف حزنك بالمقتضبِ من الدموع وصعب عليك أنْ ترسم ابتسامة على شفاه القهر.

إن يخذلك القدر، فتلك صفعة لم تكُ تتوقعها لكنك لا بد ستستسلم لحزنها رضيت أم أبيت.

أما أن يخذلك من تحبّ تاركًا ظهرك لكل طعنات الغدر فلا بد يومًا سيستفزك جرح وتغلي في شرايينك كل الطعنات دفعة واحدة.

وهذا ما جعل أمي تستذئب فجأة خاصة بعد أن رأت مجلّدات الصور وعشرات الفاتنات يقفن قرب والدي كاشفات الرأس، عاريات الصدور والأفخاذ.

يأتي إلى هنا متأبطًا مجلّداته ليقول: (عيب البنات هنا) !!

كيف تقبل أمي كلّ هذه التنازلات دفعة واحدة، وهي من ركنت أنوثتها خمسة عشر عامًا على الرف لتعمل كآلة مبرمجة من الصباح وحتى يهدّها التعب كيف؟! وهي من مزّقتْ من عمرها أروع الصفحات.

صفحات الشباب ورمت بها في موقد الغياب يتناثر رمادها يومًا فيوم.

أظن أن أمي ما عادت تعرف كيف تمسك مشطًا، أو تضع في عينيها كحلًا أو حتى ترتدي ثوبًا مغريًا. صارت تخجل من نفسها لو فعلت ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت