وأنا في غمرة أحزاني في زاوية منسيّة تحت ركام الأيام، انتشلني رنين جرس الباب من ضياعي. كنت أقلّب صورًا ورسائل وأنبش في الماضي بحثًا عن إحساس يؤنس وجعي، عاود الرنين إصراره. أحقًا مازال جرسنا يعمل؟!
أسعدني سماع صوته حتى لو كان لعابر سبيل.
قمت أتمطّى من سبات الحزن، أنتعل ومضة حسٍ عابرة، وإذا بأختي ميس بعد غياب سنة ونصف، بقامتها، بلهفتها، بدموعها. بذراعيها، أشهد أن الوطن كان ذراعي ميس وحضن ميس.
مازلت لا أصدق عيني..حملتْ حقائبها. رمتْها في زاوية ميّتة ثم خلعتْ حذاءها ومعطفها. وبدأتْ تنادي أمي.. أبي ها أنذا قد عدت. كانت جدران البيت تهتز. كما كانت أعصابي قد أصيبت بنوبة زلزالٍ فجأة. ثم أخذتْ تتحدث بصوتٍ عالٍ ليسمع الأموات.
قالت: كيف يجرؤ الموت على أن يأخذ أعزّ من لدينا ويتركنا هكذا للفراغ؟! وكيف تستطيعين العيش هنا مع كل هذه الوحشة؟! مع هذا القبر؟! لا يسمى البيت بيتًا إلا بأهله. صار قبرًا لكلّ ضحكاتنا. لكل ذكرياتنا!!
أشمّ رائحة أمي في زوايا المكان.. لكنني لا أرى سوى غبار غيابها وانطفاء الموت!!
رمت بنفسها على سرير أمي وأجهشت بالبكاء، وأنا ما زلت أفك عقدة لساني ودهشتي وأعيد إلى ذاكرتي تلك الأبجدية، وأحاول النطق لعلّ لساني فقد صلاحيّة الكلام.
ـ ميس أنا هنا أشتاقك جدًا. أحتاجك جدًا.. يكفي، وحاولي أن تستجمعي قواك. سأُعِدُ فنجاني قهوة بينما تخلعين ثيابك، فردّتْ: فنجانا قهوة فقط اثنان يا رولى؟!!
تجاهلتُ قصدها وهرعتُ إلى المطبخ، وبعد أن عدتُ وجدتها نائمة وشاحبة.. جلستُ أتأمّلها، كم كانتْ رائعة!! حتى بحزنها رائعة.. سبحان الخلاق!!
في الصباح أيقظتني برائحة قهوتها، وبرائحة صابونها وعطرها، وبرائحة الأرض التي تسللتْ من نافذة خجولة تردٌّ لنا عبق الأموات.
تحادثنا طويلًا وفهمتُ أنها أتت لتقيم معي بعد أن أنهتْ علاقتها الزوجية بسلامٍ وتراضٍ، وأنها لن تعود أبدًا إلى تلك البلاد المحمومة.
الفصل الثاني
بعودتها عاد إلى جفوني الكرى, وعاد إلى دمي دفقه, وعاد إلى حسي بعض الدفء. شعرتُ بأنني المسؤولة عنها. ألستُ الكبرى؟
لا شعوريًا صرتُ أقوم بدور أمي. وبعد فترة لاحظت ميس أنني أشبهها بجميع حركاتي وسكناتي, بحناني وتفانيّ المطلق. لكنها لا تدري أنها السبب الأعظم لوجودي. هي من أعطتني هذا الدافع لأحيا, ومن أعادتْ البسمة إلى وجهٍ كان قد حنّطه اليأس.