كيف تقبلُ أن تحطّم قلبين، وتبيع الحبّ بأرخص ثمن، أو بلا ثمن وتقبل بزواجها من ذلك التّاجر وترسلها إلى بلد آخر. كم يكوينا الجهل بجمر العناد.
زوجتها لمن تراه أنت أهلًا لها مالًا ومركزًا. لكنها ليستْ سعيدة. كم يرهقنا ويقتل مشاعرنا عقل من عقول التجار؟! كلما حاورتك أشعر أنني أدق بإزميلٍ على صخر من صوّان.. العناد غباء ولكنك تبدو أكثر غباء لو حاورتَ عنيدًا.
استسلمنا لقرار والدي بزواج ميس من ذاك التاجر الذي لم نعرف عنه سوى مظاهر الثراء وتلك الأموال التي يرشّها على أختي ليسحب منها ابتسامة.
غادرت أختي إلى دبي بلاد الذهب الأسود. لم تقطعنا أبدًا من رسائلها واتصالاتها ولهفتها. ولم تشهد أيضًا ذاك الحادث المشؤوم لوالديّ.. تركتني أعاني هول المصيبة وحيدة.
كان والدي حديث التعلم على قيادة السيارة، وعندما قرر أن يقوم برحلة بين الجبال، تدخّلت أمي لتحسم قدرها. لأول مرة أرى أمي بهذا الإصرار، وبهذه الرغبة، علمًا أنني حاولت إغراءها بمسرحية رائعة للرحابنة أو بحضور مهجران شعريِّ أو حتى فيلمٍ في إحدى دور (السينما) أبتْ كل ذلك. أظنّها كانت تودّ أن تعيد ذكرياتها الأولى مع والدي. ما كنت أظن أنّ حتفها على كتف طريق في الجبال.. انفجرتْ السيارة وتفحّمت الجثتان.
لم أستطع النظر إليهما عندما بلّغتني الشرّطة. تعرفت فقط على رقم السيّارة وعلى حقيبة أمي الجلديّة التي سلمت من الحريق.
ولم أستطع أن أخبر أختي ميس إلا بعد مراسم الدفن وبعد أن استطاع لساني أن يعيد ذاكرة الكلام..
وليتني ما فعلت. فشهقتها فجّرت في كياني كلَّ الأحزان وصوت ارتطامها على الأرض جعلني أصرخ وأنادي. ولكنّني لم أعرف عنها شيئًا سوى بعد يومين حيث حادثتني من المشفى وهي أكثر انهيارًا مني.
تعلّمنا بعض المحن أن نكون أقوى، هكذا نظن، وهي في الحقيقة تكون قد صلَّبتْ جزءًا كبيرًا من أحاسيسنا. حتى نموت ونحن واقفون، نمشي كالأشباح لا نرى شمسًا ولا شجرًا ولا حياة. من يشغله عالمه الداخلي لا يرى خارجه، ومن يشغله ما هو حوله لا يفطن في بعض الأحيان إن كان سعيدًا أو حزينًا، جائعًا أو متخمًا، وهكذا مع مرور الوقت تحوّلتُ إلى تمثالٍ أو آلة، أستيقظُ بنظام. أذهب إلى عملي، أعود لأنام. أدخل مرحلة الإفراغ. أنام لأشحن من جديد.