في الصّباح أيقظها المنبّه. أخرستْ رنينه بإصبع متعب واستجابت فورًا لليقظة فالطّبيب طلب منها تحليلًا سريعًا للدّم.
ارتدت قناع الحزم وأغلقت خلفها كل الأفكار وغادرتْ إلى مصيرها وبدأتْ تحادث نفسها.
لن أيأس ويجب أن أُشفى. ففؤاد يحتاجني قويّة جميلة وإن كان زوجي طلّقني لظنّه أنّني لا أنجب. فغدًا سأنجب من حبيبي ما يشتهي يجب أن أبقى بذات الألق.
نتيجة التحليل قد تأخذ راحة بالي عدّة أيام ولكن لا بدّ من مواجهة الحقيقة مهما كانت قاسية.
بعد التحليل خرجتْ متثاقلة, وفجأة لمعتُ في ذهنها فكرة أن تشرب معه القهوة.. دخلت ممرًا طويلًا وهي تقول: إنه هنا.
رائحته تصلني. عطره ينعش رئتي مثل نسيم الشوق, وهذه الأغنية هي ما يجب سماعها حال وجودنا سويّة.
ـ دخلتْ كاللص لتسرقَ لهفته, لكنّ ما حصل سرق عقلها.
ـ مُنى؟!! أنت هنا. قالتها بذهول ثمّ أضافت أين فؤاد؟!!
ـ إنه في الحمّام.
ـ نظرتْ ميس إلى فنجانين من القوة مشروب نصفاهما وتساءلت في نفسها أيكون ارتشاف الشفاه أدعى للصحوة أم للسكر؟! فما كان منها إلاّ أن تركتْ المكان وهي تتمتم بألفاظ سيئة وشياطين العالم تتقافز أمام عينيها, وتحادث نفسها بلوم شديد:
ـ غبيّة.. أنتِ غبيّة يا ميس جئت لتفاجئيه ففاجأك القدر.
تركتِ لأجله مالًا ومركزًا وجاهًا. تركتِ من يحبّك ليعاقبك القدر على عذابه بذات الطريقة.
نزلتْ على سلمٍ هوى بها من قمّة اللهفة إلى قارعة الجنون, مع قمّة الشوق إلى وحل الواقع.
كانت دموعها تركض قبل قدميها, ورائحة المكان تنذر بالنتانة.. كيف تنقلب الأمور فجأة دون إشارة أو إنذار؟!!
دخلت بيتها منهوكة الدمع, مقهورة الخطوة إلى سريرٍ ما زال يحلم باحتضانها إلى الأبد.
لم أكُ أدري ما بها. تجاهلتْ وجودي, أو لعلّها لم تحسّ به أصلًا.
كنت أراقب اختلاجاتها وشهقاتها. أنا أعلم مَنْ وراءها, لكن لا أعلم السبب المباشر لها, وأعلم أيضًا أنّ أحلامها وهم.
لكنني أشفقت على النعجة المذبوحة من السلخ. كان بإمكاني قول أشياء كثيرة عن فؤاد أثناء غيابها.
لم أكن أنقل لها سوى ما تحبّ سماعه في الغربة عن أحباء تركتهم.
كيف.. أقول لها إنه أكثر من مرّة حاول مغازلتي وملاطفتي وأشياء أخرى؟!
كيف أقول لها إنه مدمن نساء, وصيّاد متعة, وهي ذاك النوع الخاص جدًا الذي يسكره؟!!
كيف أقول لها إن ما تعتبره عشقًا هو بمنتهى البساطة قمّة الرذيلة؟!