كنت أحمل معي صورتها فناولته إياها. وعندما نظر إلى جمالها قال مبتسمًا: من يجد هذا الجمال لا أظنّه سيعيده.
ـ نعم أستاذ!!
ـ ضحك وقال: كنت أمزح. لكنها حقًا فاتنة وهذا يجعلني أتحرك بصورة أسرع.
ـ بعد حوالي عدة أيام وأنا أغرق في اضطرابي جاءني هاتف مرعب.
ـ آنسة رولى؟!
ـ نعم.
ـ أنا ضابط الأمن المسؤول.
ـ أهلًا أستاذ. أهناك أخبار عنها؟!
ـ لا أعرف. لكن هل تعرفين أنت ماذا كانت ترتدي عند خروجها.
ـ لا يا سيدي خرجتْ قبل عودتي.
ـ أفهم أنها خرجت من المنزل أثناء غيابك؟!
ـ نعم.. نعم.
ـ هل تسمحين بالحضور إلينا!!
ـ لماذا؟!
ـ ستعرفين حال حضورك.
أكلتُ الشوارع بسيارتي. عشر دقائق وكنت أقف قبالته استقبلني بكل احترام وبكل جديّة ثمّ قال:
ـ لست أدري كيف أدخل في الموضوع.
ـ بسرعة قل من حيث شئت.
ـ هناك حادث غريب جرى في بلادنا منذ ثلاثة أيام. سُرق مبنى سفارةٍ لدولة أجنبية. ثمّ تفجّر قسم من المبنى وذهب ضحيَّته عشرات الأفراد ونحن الآن نحمل الأنقاض وما لدينا سوى أجزاء من جثث لعلّ أختك بينها.
صرخت بخوفٍ فظيع.. لا.. أرجوك لا. أختي ذهبت في رحلةٍ مع أصدقائها فما الذي سيأخذها إلى مبنى السفارة.
لا.. لا شيء معقول في كلامك سيدي.
ـ إنه مجرد تخمين وأرجو أن لا يصدق ظني.
ودّعته مذهولة, ثمّ عدت إلى المنزل وأنا على حافة الانهيار. لماذا يعاكسني القدر دائمًا؟! لماذا لا نتفق؟! لماذا يسرق مني ابتسامتي وأغلى ما عندي؟! فما كان مني إلا أن أخذتُ أضرب بكلتا يدي على رأسي ووجهي, أبعثر شعري, وأمحو رسم الدمية, وأختار زيًّا آخر جديدًا, زيّ مومياء خرجت من تحت الأنقاض والهموم والقلق.
أخبرت فؤادًا بما حصل. كاد أن يجن لكنه مثلي تمامًا يسدّ باب الخوف ويفتح باب الأمل. فلا يمكن أن نصدّق بهذه السهولة أن احتمال غيابها لا رجعة فيه. كيف نصدّق أن يدفن الشباب والجمال. وكيف أصدّق بأنني سأبقى وحيدة, لا دمعة تسعفني, ولا حتّى صراخ.
سكون حلَّ في المكان وكأن القيامة على بعد أمنية. ذهول يسكن الأشياء. كل شيء يفتقدها. مشط الشعر. أساورها المنبوذة. خزانتها. صور الفنانين على الجدار سُرقت منها البسمة. بعد لحظة كنت أرى نفسي أمام نكتة مجسّمة. دميّة تخرج من عرس التألّق. فراشة تخرج من شرنقتها ليقصّ القدر أجنحة التحليق وأقع في عجز الموقف وشلل المحنة. من يردّ الباب عليّ ويغلقني إلى الأبد؟!!