فهرس الكتاب

الصفحة 910 من 1574

وقف هناك في زاوية الباب مرتديًا خذلانة العاري من كل أمل. كان مثل قطرة مطر تأبى الغيمة الحبلى أن تجهضها وقال: أرجو أن يكذّب الخبر, فلا حقيقة ثابتة حتّى الآن. أنا معك رولى. أنا معك لا تخشي شيئًا. فقلتُ: اطمئن يا فؤاد. ما عاد هناك ما أخشى عليه ـ ما عاد هناك ما أخشى عليه.

الفصل الثالث

مازلتُ في أسبوعي الثالث من الإجازة. أعاند الحزن ويعاندني. أبكي كنبعٍ فاض بعد ذوبان الثلوج عن الأوهام. وما كان ينقصني سوى تلك الرسالة المرميّة تحت عقب الباب. أمسكتها بيد مرتجفة صرتُ أخاف المجهول قرأت بهدوء:

الآنسة رولى الخطيب تحية عربية أما بعد

نحن معك لأنك سليلة عائلة عريقة نتقدم بأحرّ التعازي بأختنا البطلة ميس. إنها أغلى شهيدة ضحّت في سبيل الوطن بكل عزمٍ وإصرار. إنها رمز البطولة والفداء. أوصتنا بالاهتمام بك إن لم تعد من تلك العملية. وهاهي قد فارقتنا إلى مكان يليق بها تمامًا. بعد إصابتها بشظيّة جرّاء الانفجار. فلا يسعنا أن نقول سوى تعازينا القلبيّة.

ملاحظة: رصيدك أصبح ثمانية ملايين دولار في بنك سويسرا.

التوقيع: الشهيد القادم

قرأت الورقة عدّة مرات. كانت أوصالي ترتعد خوفًا. أطوي الورقة ثم أعود إلى قراءتها. صرت أشكّ باستيعابي.. أختي بطلة وشهيدة وقامت بعملية مقاومة. ضد من تقاوم؟! ومع من تقاوم؟! ومنذ متّى هي منظّمة؟! وإلى من تابعة؟! وكم أنا غبيّة إلى متى سأحيا على دوامة الآتي من المجهول. أنا لم أعد أعرف أي شيء.. فؤاد هل فؤاد كاذب أم صادق؟! وهل يعمل معها أم لا يدري عن نشاطها شيئًا؟! وهل ما أخبرتني به عن لقائه الغرامي صحيح أم لا؟! هل آخذ هذه الورقة إلى الشرطة أم لا؟! لست أدري ارتميت على السرير وعادت بي ذاكرتي إلى الطفولة إلى أيام الخوف خلف التلال. أرى الآن ميس وهي تلعب مع الأولاد (عسكر وحراميّة) لا تأخذ سوى دور العسكر. وأبي كيف كان يضحك ملء أشداقه كلما رآها تمسك طفلًا وتشبعه لطمًا وضربًا ورفسًا يصفّق لها ويقول: أنت أفضل من كل الصبية.

صرت أتساءل الآن عن موت أبي وأمي في حادث واحد بسيارتنا القديمة وأيضًا رفض والدي لوليد. كان يقول دائمًا:

لا أقبل لك برجل والده انهزامي وتؤكد أمي ذلك بإصرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت