فهرس الكتاب
ألوان الحب. ولكن لا مكان لي فيها. كنتُ خارج السور ولا يحق لي سوى النظر من خارجها وبكل حسرة. قدّرت عواطفها لأنني أعرف أنّ المحبّ الحقيقي لا يستطيع السيطرة على خلجاته، ولأنني أحبّها حقًا تركت لها الخيار، وأطلقت يدها تمامًا في أن تأخذ ما تشاء، والعودة أيضًا وقت تشاء، لتجدني في انتظارها على الدوام. طبعتْ قبلة على خدي وأخرى على يدي، وألقتْ نظرة وداع أخيرة على قصرٍ كان يهتز لفراقها. تركت مفاتيح القصر والسيارة واحتفظت فقط بتلك الميدالية الفضية التي تحمل أول حرف من اسمه وغادرت.
كنت طوال الوقت سعيدًا لأنها تحمل ميدالية تبدأ بحرف من اسمي ثم اكتشفت عند مغادرتها أننا نتشابه بالحرف الأول من اسمينا فقط. تخيّلي مدى خيبتي عندما عرفت ذلك. وأنا من جعلَ أثاث البيت كله مدورًا كاستدارة حرف الميم. أنا لا ألومها لأنني أفعل فعلها. كان كلانا يحبّ بصدق، ولذلك فكلانا يتعذب. لكنّنا نحن الرجال لا نشعر بانهيار ذكورتنا إلا عندما تتحدانا امرأة وتثبت على ما تريد. كنت أموتُ كل يوم ألف مرة. كيفما التفتُ أراها، في المطبخِ. في الحمّامِ. في السرير. في غرف المنزل. على الشرفة. في المسبح. لكن كرامتي كانت ذاك الحائط المنيع الذي يجابهني كلما هممتُ بالاتصال بها.
سافرت بلادًا كثيرة كي أنساها. ولكن هيهات. تشرّبت حبّها كالأرض العطشى. وهل تردَّ الأرض ماء شربته؟! وإن فعلتْ فإنها لا تنضح إلا بالحياة وبالينابيع وبالخضرة. هكذا كان حبها في قلبي فتخيلي مقدار الألم الذي انتابني عندما علمتُ.. وصَمَتَ. وحكتْ دمعتان أكثر مما قال. ثم سألني لماذا يا رولي لم تخبريني إلا بعد هذه المدّة؟!
ـ بصراحة وأنا آسفة حقًا أن أقول: أنني ما كنت أنوي إخبارك لولا بعض الظروف التي تغيّرتْ وغيّرتْ مجرى تفكيري ولم أجد سبيلًا يوصلني إلى الحقيقة إلا أنت.
ـ أنا؟!
ـ نعم.. وقد لا تستطيع أيضًا. ولكن عليّ أن أحاول. لو سمحت اقرأ هذه الرسالة وناولته إياها. بدأ القراءة. بيد مرتجفة كان يمسك الورقة. وبعيون تنفتح تدريجيًا كان يعبّر عن دهشته فيما يقرأ.
وضع الرسالة جانبًا، وأخرج منديلًا مسح به دموعًا غزيرة، ثم وضع رأسه في يدين ضعيفتين وراح في ذهول عميق. بقي على هذه الحالة خمس دقائق وأنا أتضوَّرُ فضولًا، ومع ذلك تركتُ له حرية التأمّل والتصديق أو عدمه ثم قال:
ـ رولى.
ـ نعم!!
ـ هل تسمحين لي بالمبيت هنا. ما عادت قدماي تحملاني؟!
ـ لا بأس.. ولكن.