فهرس الكتاب
أعدت قراءة الرسالة. لا يوجد عليها اسم المرسل. ورقة بحبر شفاف جدًا بالكاد تقرأ. تساءلت لماذا يحتفظ والدي بهذه الرسالة.
حتى بعد عودته وإقامته بيننا؟! إذًا والدي عاد إلى البلد بقرار، أبي.. أبي ماذا يا رولى.. لا أعرف. فارس ـ فؤاد ـ فهد ـ ثلاثة أسماء تبدأ بحرف الفاء ثلاثة ميداليّات فضيّة ـ تحمل ذات الشكل وذات الحرف. لكن واحدة منها كانت مع ميس فلماذا يا ترى؟! غير معقول بلحظة واحدة تتشابك كل الخيوط كلما حاولت أن أفكّ لغزًا ينعقد أكثر. أكاد أن أجن ولا سبيل إلى النوم. وكيف أنام في منزل فيه رجل لا أعرف عنه إلا ما قيل لي. أتراه سيهديني إلى الحقيقة أم سيضللني مثلما فعل فؤاد؟! لعلي كثيرة الظن. نعم صرت أشكّ في كلّ مَنْ حولي وكيف لا وموتهم هدم حاجز الثقة بيني وبين العالم.
أساكنُ عائلتي طوال عمري لأكتشف أنني لا أعرف عنهم إلا ما يودّون مني أن أعرفه.
وقفتُ أمام المرآة لأقول: نصف الحقيقة أمامك ونصفها الآخر أين؟! كيف يمكنني الآن أن أقف أمام باب خُلع من ريح هوجاء تعصف بالمجهول؟! أريد أن أنام. أن أستريح.. آه آه يا فؤاد ليتك لم تعشق أختي لكنت ملاذي الوحيد الآن، أحتاج إلى صدر أضع عليه رأسي وأبكي صدر يسع كل صراخي وخوفي واضطرابي وفضولي.
صدر ينسيني الدنيا فيكون وحده ذاك السرير الوثير الذي أهرب إلى دفئه ليتك يا فؤاد حبيبي.
لم أشعر كيف سهوت وسرقني النوم وكم فوجئتُ عندما استيقظت أن وسادة وُضعت تحت رأسي، وأخرى بين يدي، وغطاء رمي علي، ورائحة تطير بي خلفها نحو اليقظة. فأفتح عيني لأرى فهدًا جالسًا قربي يتأمّل وجهي ويحتسي القهوة ويدخّن قلبه..
صباح الخير. قلتُ لم يخرج من صمته سريعًا، بل ظلَّ يتأملني لدرجة أشعرني فيها بالحرج. هممتُ بالنهوض لكنه أمسك يدي وقال: أرجوك عودي كما كنتِ فقلتُ: لا.. لا يكفي نومًا. أريد التحدث معك.
ـ يا إلهي يا رولى كم تشبهينها وأنت نائمة. ذات الطريقة في النوم. يدٌ تحت الوسادة والأخرى فوقها وتنامين على الطرف الأيمن ورجلك فوق الوسادة الأخرى. غير معقول أبدًا هذا التشابه.
ـ أنكون أختين؟!
ـ ابتسم وقال: والدك أيضًا ينام بذات الطريقة.
ـ حقًا؟!!
ـ نعم ـ آمنت الآن بعامل الوراثة.
ـ ألم تكن تؤمن به من قبل؟!
ـ ليس إلى هذا الحد.
ـ سأحضر فنجان قهوة.
ـ أحضرتُ لكِ واحدًا.
ـ إذًا سأغسلُ وجهي وأعود لنشرب القهوة على الشرفة.
ـ حسنٌ يا رولى.