فهرس الكتاب

الصفحة 929 من 1574

قفزتْ إلى ذهني فيروز لعلّها البداية الصباحيّة الجيّدة لغسل النفوس. أدرت إبرة المذياع على المحطة التي تصدح فيها فيروز على حنجرة الوقت. أخذ صوتها يتسلل إلى أذني كفعل مخدر عام قبل عملية صعبة. جلستُ على كرسي من القش. ووضعتُ الفنجان على حافّة الشرفة. مددت رجليّ على كرسي آخر وأسندت رأسي، وسبحت مع صوت سماويّ إلى أقاصي الشعور. عندما تحتسي فيروز صباحًا مع لسعة الربيع المعبأة برائحة الأرض تشعر أن قطرات الندى تنضحُ من مسام روحك، حتى تسيل دموعًا تغسل بها أدران الماضي العالقة على جدار الذكريات. وكنت أسمع الفنجان وهو يحاور الصحن عن لمسة يدٍ متعبة لا تحترم لحظة السكون.

بعد أن تمادت الشمس في تحرشها، أجبرتني على الاعتدال وفتح جفني نظرت إلى المدى إلى السماء. حاولتُ أن أنظر إلى الكون بطريقة فؤاد. راقبتُ زوجين من العصافير وهما يطيران ويزقزقان ثم يحطان على شجرة يتعالى فيها نداء الجوع لفراخ صغيرة. ثم تبعت فراشة بيضاء تهمس لوردة جوريّة بما لا يعنيني على الإطلاق.

رشفتُ قهوتي، ثم حرّ‍كت ثفلها وقلبت الفنجان وتركته حتى ينهي بكاءه فلا يمكن أن أفهم حديثه وهو يبكي. مسحت آخر دمعة له على طرف الصحن، ثم نظرت إلى داخله. وجدت وجه أمي الضاحك يقفز من أسفله، ووجه ميس ووجه أبي وبينهما طريق مسدود، وطائر ينقل بشرى، وخاتمًا، وأوراقًا متعددة، والكثير الكثير من الخرافات. ضحكت هازئة من ذاتي. ها إنني أفعل في لحظة يأس ما كان يفعله الجهّال أمثالي. ثم مددت أصبعي لأمسح داخل الفنجان وأقول أيمكن لمثلي أن تعود إلى أبجديّة البدائية لتفسير المجهول مع أنه مهما حاولنا فلن يتكشف لنا أمرٌ ما لم ينتهِ القدر من رسم مخططه؟! أراحتني هذه الفكرة وبدأت بالعمل. لابدّ أن أنظّم وقتي لأنهي واجباتي بسرعة. كان النشاط قد بدأ يعقد اتفاقيّة مؤقّتة مع أعضائي بعد جرعة رائعة من فيروز التي تسيل الآن على جدران أعصابي.

انتهيت ودخلت الحمّام لأستحم بماء بارد يشدُّ جلدي وعضلاتي ويشدُّ من صدري ألف شهقة كنت أدّخرها لزمن الخوف القادم لكن لا بأس خرجت.

ارتديت ملابسي وبعض الهدوء وتمددت على السرير الذي سحب مني تنهيدة طويلة وأخذت أسترجع الماضي وأحادث نفسي. دائمًا تباغتنا الأقدار بما لا نتوقع، وننسفُ بلحظة واحدة ما بنيناه سنينَ. وما عشنا طوال دهر نخطط لمداراته أو معايشته أو الهروب منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت