وبقيت أتحسس دفئًا أخذ يبرد دمعة دمعة، وشهقة شهقة على إيقاع الوحدة. هاأنا من جديد على قيد الحزن والوحدة هاأنا على قيد الخوف. وها كل ما حولي مجهول. مجهول. مجهول. مرعب حدّ الجنون. الجدران تمشي. الصور تتحرك. إيقاع الماء في بركة المغسلة يثير أعصابي. صرير الريح المندفعة من ثقب الباب والنوافذ يثير هلعي. أقدام الجيران ليلًا. صرصار عابر يبحث عن قطعة خبز يشل حركتي. ساعات وساعات وفجأة انتبهت. كيف سأكون مثل ميس وأنا بهذا الجبن؟! لابد من الحركة ـ لابد من اقتحام الخوف. فماذا سيفعل صرصار أمام ضربة حذاء، والظلام يتبدَّدُ بكبسة زر؟!
ملّت صورتي على الجدار من سكوني. أخالها تحرّكت الآن لتلبسني إطارها فلابد أن تؤدى فريضة الحياة.
الفصل الخامس
مدّ الصَّباحُ أنامله. أزاح ستائر الليلة الماضية بصمت. ابتسمتْ الشمس في غرفة ما كنت أظنها ستستجيب يومًا لأيّ ابتسامة. أشرقتْ بنور مبهر وسرى في شرايينها دفء الربيع. كلُّ ما حولي يستفزني للنهوض. فتحتُ الباب المطلّ على الشرفة. كانت هناك قطة نائمة على الأرجوحة تستظلّ من أشعة الشمس وتتمطى وكأنها في استعراض للفراء، ثم أخذت تلعق أطرافها الأربعة، وتغمز لي بعينين مازال النعاس أو الاستعطاف يداعب جفنيها، كانت الشرفة مغبّرة جدًا، وحتى أوراق النَّباتات تسألني عن سبب قدوم الخريف في وقت الربيع. لا شيء سوى الإهمال يقدّمك إلى الموت كوجبة سريعة. نعم أنا مهملة جدًا. تذكّرتُ أنني لم أفطن إلى تنظيف وترتيب المنزل منذ رحيل ميس. حتى أكوام الثياب المتسخة كانت تصدر روائح صارخة.
لكن أعضائي مترامية مثل ثياب عُلّقت على الحبل يلعب بها الهواء كيفما شاء اتجاه الهبوب. ذهبتُ أغسل وجهي بعد أن وضعت القهوة على النار. كان الحمّام يستغيث من حالته المزريّة، وغرف النوم يأكلها الغبار فلا لمعة جمال على ذاك الأثاث الفاخر.
شعرتُ للحظة بالإشمئزاز، وقررتُ تطهير المكان بكل المنظّفات العالمية وتمنيت لو أنّ هناك منظّفات مادّية تغسل الدماغ والقلوب والأرواح من شوائب الآلام والأوهام والأدران العالقة على جدرانها