ـ موقف لم أتعرّض له من قبل.
ـ ألم يلمسك رجل قبلي؟
ـ طبعًا لا. ولن يحصل!!
ـ أهذا وعد بأنك لي؟!
ـ طبعًا لا. لست ملكًا لأحد.
ـ عفوًا ما قصدت ذلك.
ـ فؤاد. أنا غيّرت رأيي. لن أذهب إلى أيّ مكان.
ـ حسن ٌ. إذًا نبقى هنا.
ـ عفوًا. أريد أن أكون وحدي.
ـ هاأنت وحدك.
ـ بدونك فؤاد.
ـ كنت أنتظر أن تقولي شيئًا آخر.
ـ من بعد إذنك.
ـ هل تطردينني؟
ـ من بعد إذنك. أشعر أنني متعبة جدًا.
ـ لا بأس. لكِ ذلك.
ـ وداعًا.
ـ على الأقل قولي إلى اللقاء. سأمضي رولى سأمضي.
ـ مع السلامة.
ـ سأمضي. لآخر مرة أقولها.
ـ سمعت وأنا أقول مع السلامة.
ـ أخاف عليك من الندم.. حسنٌ سأمضي.
ابتسمتُ من تكرار الكلمة. وما إن شاهد ابتسامتي حتى انقض عليّ مثل طفل يتعلّق بذيلِ أمّه المسافرة وقال: رولى أرجوك. أمنية ملحة. رجاءً طلب، أي تسمية، اختاري أنت. أرجوك رولى عانقيني.
نظرتُ إلى نداء الرجاء في عينيه. كان فعلًا ملحًا. فارتفع ضغط الدم في عروقي. فجأة. بحرارة، بمرارة، بحزن، بشوق، بمنتهى الفجيعة ضممته، ولأول مرة أشعر أن رائحة الأرض تعبق وتعبأ بصدري، ورائحة الخبز المخبأة في قمح صدره تشوى على تنور صدري، ورائحة فلة حمراء تشتعل في ذاكرتي، وأصابع لقصائد تكتب سرًا تعبأ في شراييني، وتخبأ لموسم القحط. للسنين العجاف. جن في عروقي إيقاع الحياة. راودتني رغبة بالطيران، ورغبة أخرى بالنسيان ويخذلني الزمن. هي لحظات تعبرنا من سعادة غامرة. لكنّ الحسرة التي تبقى مرارتها (أنها تعبرنا) ونبقى مثل إشارات المرور نشعل ألوان العبور والوقوف والتّهيؤ لكلا الحالتين.
آه يا فلة لها لون دمائي ودماء ميس، كيف أفرّق بين دم يغلي ودم مهدور وهما دم واحد في عروق مختلفة؟!
آه يا حبيبًا سكن بقلب تفجّر لتبقى على قيد خيانته ومع من. مع من تدّعي حبًا لأختها وفداءً لها.
كيف يحمل الإنسان كل هذه التناقضات؟! كيف يبرر لنفسه ما يحرّمه على غيره؟!
ميس يا نعْمَ ما فعلتِ. أحسدك على نهاية أنت اخترتها ليتني بدلًا عنك وليتك بدلًا مني.
ميس هل التقيتِ بوالدينا؟! هل أنتم الآن عائلة واحدة؟! سآتي ميس. سآتي وهذا هو الحل الأفضل. سألتحق بكم كلما زاد عمري يومًا. أو لعله كلما نقص من عمري يومٌ أشعر أنني أقترب منكم أكثر. قرأ بعيني كلّ الحسرة وكلّ الألم وكل الرغبة هدأ، ضمّني وعيناه تقولان أكثر مما يقول الكلام. وغادر مسرعًا.