فهرس الكتاب

الصفحة 926 من 1574

ـ أحسنتِ يا رولى. لا يدوم إلا الفن، ولا يدوم إلا كل عظيم. أقصد رغم عاهته صنع فنًا يثبت للإنسانية أنه موجود. وكذلك يصنع أناس آخرون. يضعون هدفًا أمامهم. يمضون هم ويبقى ما صنعوا. كم من قصيدة كُتبتْ بالدّم قالها طفل بريء دون أن ينطق بحرف، تحدّى بها كل قصائد الشعراء الموجودين على قيد الخوف. يمضي هو ونبقى نحن نجترُّ أحزاننا لنقول قصائد تبدو قزمة جدًا أمام مشهد رحيله.

ـ هيْ.. فؤاد ما هذه الحكمة التي هطلتْ عليكَ فجأة؟!!

ـ رولى. منذ قليل كنت ألعقُ عن أصابعك قصائد لم تكتبها يداك يومًا. لكنني تذوّقت لذّة طعمها. طُبعتْ في ذاكرتي. صارت مشاعر جديدةً ما كلّ ما يكتب شعرًا، وما كل ما لا يقال بتافه.

ـ أنتَ تذهلني.

ـ أنتِ تصعقينني. أشعر أنني أمامك كطفل. أريد أن تأخذينني في حضنك كأمي التي ما شاهدتها يومًا. وأشتاق إليها كثيرًا الآن.. أشتاقها فيك.

ـ أمك لم تشاهدها.. لماذا؟!

ـ أقصد لم يتربَّ وعيي عليها.

ـ كيف.. ولماذا.

ـ لأنها قتلتْ مع أخوتي أثناء الحرب.

ـ ما كنت أدري هذا.

ـ ليس مهمًا. المهم خذيني بين أحضانك.. أرجوكِ أنا محتاج جدًا لأن أبكي.

كيف يكون هذا التوارد. الأمس كنت أتمنى ذلك واليوم هو يتمناه الفرق بين الأنثى والذكر. أنها تضمر أمنياتها وهو يعلنها.

فقلت له لعلي أفضّل الخروج الآن.

ـ أتهربين مني يا ميس؟!

ـ فؤاد.. أنا رولى يا فؤاد.. أكنتَ تبحث عن صدر ميس؟‍

ـ عفوًا رولى زلة لسان.

ـ لا عليك إنها أختي أيضًا.

ـ هربتُ، ودخلتُ غرفتي لأغيّر ملابسي. رغمًا عني غالبتني دمعة بل دمعتان، بل نهرٌ من الدموع. هل أغار منها. أم أبكي على مشاعر كنت أظن أنها تخصني بعد رحيلها؟!

لستُ أدري كل ما أشعر به مصاب بالفوضى وبالغموض. أسرعتُ بالخروج وقبل أن أفتح باب المنزل قال: أرجوك رولى أنا آسف حقًا.

ـ لا عليك يا فؤاد فأنت بالأصل تحبها.

ـ لكنني منذ قليل كنت أقنعك برحيلها.

ـ تقنعني. هذا شيء من فعل العقل أليس كذلك؟!

ـ نعم نعم.

ـ والعقل لا علاقة له بما ينبض هنا. وبما يخزّن من ذكريات. لابد ستفلت رقابته عن القلب ليخرج اسم من نحبّ دون رغبة منا.

ـ لا يا رولى أرجو أن تصدقيني. منذ أن ضممتك تلك المرة وسمعت كل ما تقوله اختلاجاتك شعرت أنني أمام عشق جديد.

عشق لم أكن أتوقع هبوب عاصفته بهذه الشدة.

ـ ما أسرعكم أنتم الرجال بتبديل العشيقات.

ـ وأنت تعشقينني فلا تنكري ذلك.

ـ لا. لا أعشقك!!

ـ فلماذا كنت ترتجفين بين يديّ قبل قليل؟‍

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت