ـ وما أدراك. من يعرف موعد نهايته لعلّي بعد لحظة أموت.
لا شعوريًا وضعتُ يدي على فمه لأنهي كلامًا لا أودّ سماعه. أمسك يدي كما كان يمسك تلك الوردة بكل أناقة وحنان. قبّل أصابع يدي واحدةً واحدة. حتى كدت أقع أرضًا من شدة اضطرابي وأنا مثل الصنم أنظر في عينيه وشفتيه مأخوذة مسحورة.
ما الذي يحصل معي؟! لماذا نسيتُ كل القوانين والأعراف والتنظير الذي كنت أجابه به أختي ميس؟! لماذا أقف كالبلهاء في حضرته؟! لماذا أستسلم بكل عفوية لاضطرابات جسدي، لماذا أتحوّل بكل بساطة إلى قطعة من بسكويت هشة تذوب عليّ كلّ شوكولا العالم. لماذا أكون كما يشتهيني؟! أغمض عينيّ لأسمع صوته اللزج يسيل من أذنيّ إلى قلبي إلى كامل جسدي أشعر كأنني عصفور يرتجف بين يديه.
ـ رولى ما بالك. أنت ترتجفين: هل تشعرين بالبرد؟!
ـ تسأل: يا لك من شيطان؟!
ـ ضحك بخبث وقال: يسعدني جدًا أنك تملكين هذه الحساسية النادرة.
ـ كأنك عرفت مفتاحي!!
ـ ضحك بصوت مدوٍ وقال: لا بل طريق الوصول إليه. فالأنثى عالم واسع جدًا. فيه من المفاجآت ما يجعلني أتريّث كثيرًا قبل أن أدّعي أنني عرفت مفتاحها.
ـ حقًا؟!
ـ بل أكثر أنت داهية.
ـ هل هذا مدح أم ذم؟!
ـ لست أدري. الغموض هالة من العظمة. لكنّ الذكاء هو أكثر ما يلفت نظري في الرجل.
ـ ها قد عرفتُ السمة الأخرى التي تعجبك في الرجال.
ضربته بخفةٍ على كتفه ومضيت لإحضار القهوة.
ـ دعينا نشربها خارجًا.
ـ أول مرى أرى رجلًا لا يحبُّ الانفراد بالأنثى.
ـ من قال لك ذلك. سأنفرد بك. ولكن هناك على الشاطئ. دعينا نمشي حفاة، نلعب بالماء، نأكل بعض السندويشات. نتحدث بحرية كما تفعل الطبيعة. أشعر بعفونة الوحدة هنا.
ـ هل حقًا تشعر بوحدتي يا فؤاد؟!
ـ أنا أيضًا وحيد.. والوحدة بين الجمع أمرُّ وأقسى.
ـ لماذا أصدّقك؟! لست أدري.
ـ لأنك تودّين أن تصدّقي أي شيء.
ـ نعم لعلّي كذلك!! لكَ حكمة تفوق بيتهوفن.
ـ أكان حكيمًا رغم صممه؟!
ـ ما سمعتُ عن حكمته شيئًا ولا هو سمع. لكنّه أسمعَ العالم بكاءه الصامت حوّله إلى فن.