فهرس الكتاب

الصفحة 933 من 1574

ـ نعم تفعلون ما يطيبُ لكم، ثم تتهموننا بالجنون. سأعترف لكَ أنا وصلت حافة الجنون. ولكن كل جنوني سأصبّه عليك ما لم تُعِدْ ما طلبته منك.

ـ رولى أنا ما أخذت شيئًا من منزلكم ويكفي إهانات لي.

أغلقتُ السماعة بعصبية، ثم ارتميتُ على السرير، وضعت الوسادة على فمي وبدأت بالصراخ. ثم حالفني سيل من الدموع أخمد الحرائق المشتعلة داخلي. إلى أن تراميت بكل ما فيّ مستسلمة لموتٍ مؤقت.

في تمام الساعة الثامنة شاهدت أنني أطير بثوب أزرق. أحلّق على مهدٍ رائع مثل بساط الريح. نزلت على كومة قطن ناصعة البياض. أقفز وأقفز. تذكرت أرجوحتي القديمة على غصن شجرة ضخمة تتحدى الريح. كان والدي قد صنعها من حبالٍ ثخينة. أتأرجح قليلًا وأطير لأقفز قليلًا. فجأة سمعت صدى عاليًا في السماء. كان صوت أختي ميس، وهي في مهدها تلتف بلّفة بيضاء وتبكي. نزلت إليها. وضعت زجاجة الحليب في فمها. ضحكتْ وأكلتْ ثم نامتْ. حاولتُ العودة إلى تلك الغيمة البيضاء. فوجدتُ وجهها مكفهرًا، وأخذتْ تذبل وتذوب مثل قطعة ثلج تعرضت للحرارة، وكان مصدرها قلبي. نزلتْ أمطار عنيفة غزيرة. فركضتُ إلى أرجوحتي تحت شجرة صارت جرداء إلا مني، وصوت الرعد يزلزل أركان السماء، ونور البرق مخيف يصعق عيني ـ صرخت وفتحت عينيّ فإذا برقاص الساعة ما يزال يتأرجح بي على سخط الزمن، وصوت الجرس المتتابع يدفعني إلى النهوض، فنظرت إلى معصمي كانت الساعة الثامنة تمامًا. من يا ترى؟ وقمت مسرعة أفتح الباب. نظرتُ من العدسة المكّبرة لم أشاهد شيئًا فقلت:

ـ من الطارق؟!

ـ من الطارق؟! عيني ما تزال على العدسة وإذا بوردة تسدُّ مدى نظري. فتحتُ الباب فإذا بفؤاد يتقدّم منّي وكأنّه يهمُّ بتقبيلي. في تلك اللحظة. قُرع جرس الهاتف. كان بمثابة المنقذ. ذهبت لأردّ عليه وأنا أقول:

ـ تفضل فؤاد. أدخل. سآتي حالًا.

ـ نعم.. نعم.

ـ مرحبًا صباح الخير رولى.

ـ صباح النور لؤي.

ـ تقدمتُ بطلب إجازتك للمدير فرفضها ماذا أفعل الآن؟!

ـ لا بأس لؤي غدًا سآتي لأحسمَ الأمر إما أن أستقيل أو نتفاهم.

ـ ماذا؟!! أوصلتْ حدّ الاستقالة دعيني إذًا لأحاول معه مرة أخرى.

ـ أشكرك لؤي كلّفتك فوق طاقتك.

ـ عفوًا رولى.. اعتني بنفسك.

ـ لا بأس إلى اللقاء.

ـ التفتُ خلفي لأرى فؤادًا متكئًا على الباب وهو يتأمّلني بثوب النوم الذي يشف بعض الشيء، والذي يظهر تمرد صدري ويتأمّل شعري الغجري ـ قال: ما أروعك ببساطة هذه الثياب.

ـ لماذا تتعمد إحراجي؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت