فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 1574

أراد المختار أن يردّ عليها، لكنه سمع صوت علي بك يناديه:

ـ دعهما تفعلان ما قرَّرتا عليه، وتعال ألقِ النظرة الأخيرة على أم أحمد، فإني أراها قد فارقت الدنيا.

نظر أبو عدنان إلى وجه أم أحمد. كان ساكنًا شاحبًا، لكن شفتيها اليابستين كانتا تبتسمان.

غصّ الجامع الكبير بالمصلّين، وجلس العشرات على بابه الخارجي، وقد مدّوا بُسُطًا وحصرانًا، ووقف آخرون للاستماع إلى خطبة الشيخ محمد سعيد التي كرّسها عن الشهادة والشهداء، وأشاد فيها بأم المناضلات (شاكي) ، وبالملثّمات والملثّمين الذين يناضلون في الخفاء، فيوقعون أفدح الخسائر بالقوات الفرنسية، وطالب الشباب والشيوخ بواجبهم المقدس لتحرير أرضهم من المحتل الغاصب، وما إن انتهت صلاة الجمعة، حتَّى كان عدد من الفتية يوزّعون على المصلين صحيفة الفرات التي أنشأها المناضل أحمد المصطفى ورأس تحريرها المناضل الرحبي، وقد حوت الصحيفة على الكثير من المقالات التحريضية والقصائد المؤججة للمشاعر. ولعل أبرزها قصيدة (بني قومي) للشاعر الشاب ناجي.

التقت جموع المصلين مع جماعات من مساجد أخرى، وساروا جنبًا إلى جنب بتظاهرة كبيرة لم تشهد دير الزور مثلها منذ زمن طويل، واتجهت نحو مقر الحاكم الفرنسي تهتف بسقوط فرنسا، وتطالب الفرنسيين بالرحيل عن سورية.

كان الحاكم الفرنسي ينظر من نافذة غرفته بالطابق الثاني إلى تظاهرة أهل العمائم واللحى، فلم يأمر بتفريقها بالقوة، بل أمر بتفريغ كل مخزون الخمر على رؤوسهم، فتفرّقت المظاهرة واللعنات تُصبّ من كل اتجاه على جاكو الفاسق، وزمرته السكارى...

فوجئ الثوار في مساء اليوم نفسه باعتقال الشيخ محمد سعيد، وصاحب جريدة الفرات ورئيس تحريرها والشاعر ناجي، وصدور أمر تسريح الرحبي من التعليم، فازداد غضب الجماهير، وعبؤوا أنفسهم ليوم حاسم، وخاصة أن إخوتهم في العراق قد هبّوا بثورة عارمة ضد الإنكليز يقودها رشيد عالي.

اجتمع الثوار في مضافة علي بك يتداولون حديث الثورة في دير الزور والعراق. قال علي بك:

ـ لا فرق لدينا بين سورية والعراق. الأرض واحدة والشعب واحد واللغة واحدة والدين واحد والتاريخ واحد، وعلينا نصرة إخواننا، وأعرف مسبقًا أنها مهمة ثقيلة تقع على عاتق الشباب، لكنه الوطن بحاجة إلى سواعدهم وتضحياتهم.

وقف الأستاذ جلال قائلًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت