مهرجان من الألوان يغطي وجه السماء، غيوم بيضاء ورمادية وسوداء. تعرض الأخيرة مهارتها وزوابعها، تحول السماء إلى دخان وغبار، والأفق إلى لون سديمي، تلفك نسمات باردة، تسري القشعريرة في جسدك، الغيوم تهرول شرقًا، الرياح تدغدغها. تتناثر أشبه بلاعبي كرة القدم في بداية اللعب. نسمات أكثر برودة تهب. نظرت إلى الساعة إنها السادسة والثلث. تحث خطاك، تهرول، لو رآك أحد لظن بك الظنون، راقبت الطريق وتابعت الركض وما هي إلا فترة قصيرة، حتى وصلت إلى الموقف، وفي نيتك أن سيارة النقل الداخلي تنتظرك، خاب ظنك، نظرت شرقًا لا أثر لأي شخص، ولا لأية حافلة، لا شيء سوى بعض السيارات التي تخفف من سرعتها لدى اقترابها. لكنها تتابع سيرها.
عدت بذاكرتك إلى سنوات خلت لحظة رأيت شاخصة «الترام» الذي كان يمر محدثًا جلبة، يدندن، يصعد الركاب وعلى وقع موسيقاه وتبختره يجدون أنفسهم وسط دمشق في قلب المرجة. نظرت حولك، لم تعد وحيدًا، آخرون بدؤوا بالتوافد. بعضهم مسرع وآخرون غير مبالين. يقفون إلى جوارك إن كانت وجهتهم العاصمة. أو على الطريق المقابل كبعض العمال والجنود الذين ينتظرون وسائط نقلهم الخاصة.
تحتضن ذاكرتك الطريق الموصل من بيتك إلى الشارع العام ، على جانبه أشجار الجوز التي تجاوزت شبابها. وعلى الطرف الآخر ساقية على ضفتيها الأشجار المثمرة والورود والعليق. أما اليوم فقد اختفى هذا الجمال، البلدية قررت سقف القناة الزراعية التي لا مياه تجري فيها، بعد أن تخلى الفلاحون عن فلاحة أرضهم وزراعتها. باعوها بالأمتار والقصبات بعد أن ارتفعت أسعارها. فتكومت أكداس البنايات دون رخص. وتحولت الطرق الفاصلة بين البيوت إلى أزقة لا تتسع لمرور أكثر من سيارة صغيرة.
سألت نفسك عن الحسن الذي كان، أين هو؟ أين الأشجار؟ حذاؤك ونهاية بنطالك تلوثا بالوحل. الطريق الظليل الجميل، تحول إلى كومات من التراب والأوحال، ثلاث سنوات والمشاريع تتوالى، مشروع إيصال مياه الشرب إلى البيوت، مشروع إيصال المجاري إلى المصب العام، وكلها لم تنته.
الغوطة تتعرى، سُرق ثوبها المزركش، فلم تعد الغوطة واحة، ولم تتحول إلى مدينة، لعنة أطلقها قاسيون على الإسمنت، وعلى (المجارير) التي توسدت المجرى.
جاءت سيارة النقل الداخلي، وأنت ما تزال تعيش مع الماضي، لم تنتبه لوقوفها، ولا لتدافع الركاب وصعودهم. أحد جيرانك شدك وقال:
-هيا يا حامد.