شعرت أن مواساته ضرورية. وأن عليك أن تقول له: تفرج يا أستاذ سيخرج ابنك مرفوع الرأس إذا كان غير مذنب، ربتَّ على كتفه ووعدته أن تظل مثال المعلم المخلص، بعفوية أكد فيك هذه الصفة وصفات أخرى لم تكن تتوقع سماعها منه.
الأستاذ عارف نشيط، مدير بكل ما في الكلمة من معنى، ما إن يجلس على الكرسي في الإدارة حتى ينبهه ضميره لأشياء تجوز وأخرى لا تجوز، يدور على الصفوف، لا يتوقف إلا عندك، يضحك فتبادله بابتسامة، في الفرصة يكمل توجيهاته وهو يتطلع إليك، وفي كل مرة يفتر فمك عن ابتسامة تمتص غضبه، تفاصيل كثيرة يؤكدها، التحضير، دفتر العلامات، دفتر المعالجة والتشخيص، التفتَ إليك ليخبرك، إن مديرك السابق كان معلمًا عنده، أخذ يشرح كيف استلم الإدارة، ودور زوجته التي أبلغته بأنه سيصير مديرًا لإحدى المدارس، ورفضه إرساله قبل نهاية الدوام، لكن وبعد عشر دقائق اضطر إلى حني رأسه، أعطاه ما يريد من إجازات، كان هذا آخر عهده به.
ـ 4 ـ
هذا اليوم يختلف عن غيره من الأيام. عليكَ أن تفيق باكرًا. تخرج بعد شروق الشمس، في الليل انتابك قلق، خفتَ ألا تصحو في الوقت المناسب، نومك المتقطع جعلك جاهزًا حتى قبل الوقت الذي قررته.
لفحتكَ ريح باردة، فركت يديك، البخار يخرج من فمك، نظرت يمنة ويسرة لم تجد أحدًا، أسرعت لتصل أبكر، وتحصل على شيء من الدفء. السماء عابقة بالغيوم، تختفي الأشعة ولا تظهر إلا لحظة تجاوزت الغيمة وجه الشمس، حبات المطر تصدر لدى نزولها إلى الأرض أو في بركة ماء صوتًا أجوف كاشتعال عود الثقاب، خطوط متكسرة تجوب صفحة السماء، هبوب يحرك الأغصان يغريها بالتمايل، لفتت شجرة الحور انتباهك، لاحظت حركاتها وليونة أغصانها، تذكرتَ خضرة ثوبها حينًا وخلفيته الفضية حينًا آخر، وكيف ترتفع الأغصان في حركة متناسقة مع حركة الريح المغزلية، الأوراق تتوق للانعتاق، تفننت بإظهار حبها للأفق أشبه بفتاة مدت ذراعيها لاحتضان القمر.
تتكرر هذه الحركات بعشوائية. أما من استعصت من الأشجار على الانحناء والميلان فتكون كالمتصوفة تعيش لحظة التأمل والتذكر.