تحاول أن تصفها على الورق، فتاة ذات قوام أهيف. تشرّب الكثير من الحليب مع قليل من الياقوت. عيناها تسرحان في الأفق، شمس مرحة تعانق محياك، شعرت أنك أمام فتاة غير عادية، فتاة خارجة على القانون. كلها فوضى، تسكن مجرة الغوطة، لا تسدل الغطاء على وجهها ولا تلبس قفازات تغطي كفيها، وجهها مرآة وصدرها بستان وحديقة، أحسست بها، توغلت داخلك، قبضتْ على تفكيرك وفؤادك، انجذبت إليها، أنت على استعداد أن تترك دروس ذاك اليوم وتمضي نهارك معها. أن تكتشف كيف تستعير الفصول نقيضها، وكيف تشعل الحرائق في دمك! تخضر صحراؤك، تحولك إلى أسير، تصادر قلبك، أنفاسك، أحلامك. تتوحد الغوطة بطلتها. تطرز الفرح والأغاريد، الأغاني تزفها لروحك، سرحت وفي ظنك أن مجرد التعارف سيهبك اللذة والمتعة! لم تعلم أنها مخلوقة من نار. تكوي لياليك بالحرقة والغصات، تمضي معها دقائق تسميها أحلى الأوقات، تنسف اتزانك، تحاول أن تعود إلى هدوئك، إلى ماضيك، أن تنساها، يزحف بحرها ويرشقك برذاذ ناعم ينسيك المتاعب، لم تعد قادرًا على نسيانها، الياسمين يذكرك بقدومها، ودمشق مدينة الياسمين، أنى اتجهت تجده، فكيف تنساها، تنسى فتاة مخلوقة من الياسمين؟ عطرها يملأ ساحات تفكيرك، تراها كل يوم، تحادثها، تفكر بلقائها بعيدًا عن الناس. كل ما فيها يغري بالمجازفة، مددت لها وردة، نظرت إليك، تحركت يدها، تناولت الوردة وضمتها إلى دفترها، تذكرت ما سمعته عن الدمشقيات ولغة الورد، وإن مجرد قبول هدية من هذا النوع تفسح المجال لعلاقة مميزة، الورود أفراح تتراقص في القلبين، كل ما فيها من ارتباك يفضحها، غادرت السحب أبراجها وتكومت على شفتيها، قالت:
-أنا لا أملك قلبًا لأحب يا حامد!
حاصرتك فرات بهذه الجملة التي استوقفتك طويلًا، أهي حقيقة أم مجرد دعابة وعبث نسائي؟ ظننت أنك قادر على سبر ماضيها، بعد لقاء أو لقاءين، ليس بالضرورة أن تفهم كل شيء دفعة واحدة، تظل عواطفها عصية، تبدل حياتك وتنسفها، لتتحول إلى نقطة مضيئة في مسيرتها، تهب الطمأنينة لروحها، أما ذاتك فمزيد من المتاعب والقلق واستعصاء النوم. الآن تأكدت أنها تحاصرك، تأتيك مع الهواء، مع الماء، مع الأحلام الجميلة، مما زادك إصرارًا على نبش حياتها، وإزالة الغمام عن محياها، ليحتفظ وجهها بإشراقته.