فهرس الكتاب

الصفحة 961 من 1574

اتفقتما على اللقاء، جاء أناس كثيرون ومضوا، بعضهم انتظر بضع دقائق قبل أن يرحل، أنت الوحيد الذي انتظر أطول فترة، وهي الوحيدة التي لم تأت، تذرعت أنها مريضة، لم تصدقها، ولم تعطها فرصة للدفاع عن ذاتها، اقتربت منك أكثر واعتذرت، لم تفتح فاك بكلمة، غيوم تسرح في أفق وجهك، رمقتها بنظرة، تحاشتها، هرب لون وجهها، تطلعت إليك، وعلى شفتيها ابتسامة فجرتها لإرضائك، واعدة إياك باللقاء ثانية في الزمان والمكان ذاته اليوم.

بان على وجهك الفرح كالطفل الذي يحصل على قطعة نقود معدنية، داعبت أناملك الغيوم، اجتاحت السحب موجة من الفوضى، تركض على غير هدى، تقترب في عملية جذب ثم تتناثر أوصالها وتنزل فوق الصخور والتراب والرمال والمدن، فتشعر الأرض بأنوثتها وتخلد لأحلامها.

جاءتك فرات عروسًا في أحلى ملابسها، تسللت يدك وأطبقت على كفها في مناوشة متعمدة، وحركات لا إرادية، دهشت لقوامها، لزينتها، لعطرها، لابتسامتها، لحضورها، صعدتما سيارة أجرة وطلبت إليه أن يتوجه إلى الشادروان، نهبت السيارة الطريق، كانت أبواب المقاهي والمقاصف والمطاعم مغلقة، موسم افتتاحها لم يحن بعد، وقفتما أمامه وأسندتما ظهريكما إلى بوابته:"إلى أين أيتها الجميلة؟"

في نهايات الشتاء تتعرى الدروب وتقفر الربوة من روادها، تبدو كالأكشاك المقفلة، لم يكن سواكما، نظرت إلى عينيك نظرة مرح، مددت يدك لإيقاف سيارة والعودة إلى المدينة، ردت يدك اقتربت منك وقالت:"أنا وأنت والطريق نمشي حتى نصل إلى المرجة أو ربما الغوطة!"

الدروب التي ستسلكانها طويلة، تحتاجان ساعتين وربما ثلاثًا، لم يعد يهمكما الوقت، نذرت نفسها أن تمضي المساء وقسمًا من الليل معك، بدت محبة للمشي، سارت إلى يسارك، روحها الشفافة تمنح جسدها خفة ورشاقة، التصقت بك، تسمع دقات قلبك، تبدو لا مبالية وغير خائفة لا من عتمة الليل ولا من الناس، ولا من أي تأخير، باختصار وصفتها متمردة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت