أما الفرقة الثانية فهي التي تقول بأن كل شيء فيه قوة كافية أودعها الله فيه، فذكر أنهم اختلفوا فيه فمنهم من يكفروه، ومنهم من يفسقه وكلا الحكمين يعني بأنه ليس في الأشياء طبائع ومعاني يميزها عن بعضها البعض، وهناك حكم آخر أطلقه الغزالي ويفهم منه جواز اعتقاد ذلك دون تخوف على العقيدة يقول البوطي: (غير أن الإمام الغزالي -رحمه الله- لايرى تنافيًا بين أن تكون الأسباب الكونية جعلية … وبين أن يكون فيها تأثير أودعه الله عز وجل فيها يسلبه عنها عندما يشاء. وهو يرى أن هذا هو الحق أي فالمسألة ليست مسألة مقارنة مجردة) (40) وهذا القول لا ينسجم البتة مع القول الذي يلغي طبائع الأشياء، فهو على نقيض مَنْ قال بالعادة فعقيدة العادة كما تبين هي مجرد مقارنة دون تأثير، وكلام الغزالي مقارنة مع التأثير، وهذا يدل على أن الغزالي متردد في قوله بعقيدة العادة وهو كما قال أبو ريان (..وقد عبر الغزالي في قوة المذهب الأشعري حينما انتقد مبدأ السببية، وذكر أن اعتقادنا بالسببية إنما يرجع إلى العادة..) (41) ويؤمن الغزالي بأن الأسباب مسخرة بعلم الله يقول: (والأدوية أسباب مسخرة لعلم الله تعالى كسائر الأسباب، فكما أن الخبز دواء الجوع، والماء دواء العطش … وكل ذلك بتدبير مسبب الأسباب) (42) .
وأما الفرقة الثالثة، فهي الفرقة التي جعلت الاقتران ضروريًا بين الأسباب ومسبباتها وأن الأسباب لا تؤثر إلا بإذن الله تعالى وأنه متى صحت الأسباب ترتب عليها المسببات، ولا تتخلف المسببات إلا بنقص في الأسباب فهذه الفرقة جاهلة بهذا الاعتقاد وإن اعتقدت بناء على ضرورة الاقتران الحاصل من الأسباب امتناع المعجزات وعدم النبوات فهي كافرة؟ ولكن أليس بالإمكان أن يكسر الله سبحانه هذه الضرورة ويسلب هذا الاقتران بين الأسباب والمسببات وتكون الخارقة للعادة فلا يترتب على ذلك كفر ولا جهل.