الصفحة 5 من 40

والأدلة الحسية التي يقيمها القرآن هي دلائل واضحة على قدرة الله سبحانه لا كما يعتقد البعض بضرورة تأويل هذه الأدلة وصرفها عن ظاهرها حتى يتم لهم إثبات قدرة الله، فإن قال قائل: ليس في الماء قوة إثبات، ولا في النار قوة إحراق ولا في الخمر إسكار ولا في الأرض جاذبية ولا في العين قوة إبصار، ولا في الأذن قوة سمع، ثم قال للناس هذه أدلة التوحيد، لنفر الناس عن دين الله، ومنع القرآن من أداء مهمته في البيان وجعل لأعداء الدين نافذة يبطلون من خلالها القرآن.

فالواجب الوقوف حيث وقف النص فهمًا وتدبرًا فإن النقل الصحيح مع العقل الصريح يتفقان ولا يختلفان، وإذا كان هناك خلل فإما في العقل وإما في فهم النقل أو عدم صحته.

المبحث الأول

عقيدة العادة ومالها

المطلب الأول: مفهوم العادة عند الأشاعرة

ليس هناك تلازم ضروري بين الأسباب والمسببات أو العلة والمعلول، يقول الغزالي: (الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا، وبين ما يعتقد مسببًا، ليس ضروريًا عندنا) (3) بل ليس هناك علاقة تسببية بين السبب والنتيجة (…بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمنًا لإثبات الآخر ولا نفيه متضمنًا لنفي الآخر) (4) .

وإذا احتج عليهم إنسان بأنه يرى دائمًا الاحتراق يعقب النار، والإسكار يعقب الخمر، تعللوا في ذلك بأنه لا يرجع إلى تلازم بين الأسباب الطبيعية، وإنما هو نتيجة الاعتياد من رؤيتهما معًا وفي ذلك يقول الباقلاني (5) : (إن ما هو مشاهد في الحس لا يوجد ضرورة ولا وجوبًا وإنما هو يجري مجرى العادة، بمعنى وجوده وتكراره على طريقة واحدة) (6) ، ثم يأتي بعده الغزالي ويتوسع في إرجاع التلازم بين الأسباب الطبيعية ومسبباتها إلى حكم العادة ويرى أن (اللازمات .. يجوز أن تنفك عن الاقتران بما هو لازم لها، بل لزومه لحكم العادة) (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت