وذهب بعض الأشاعرة إلى التفصيل في الحكم وكأنهم رأوا أن المسألة فيها من الغموض ما يفرض على الحاكم أن يكون مستبصرًا بمسائل الخلاف وبمجاري البحث والتحدي، قال إبراهيم بن محمد البيجوري: (..فمن اعتقد أن الأسباب العادية كالنار والسكين والأكل والشرب تؤثر في مسبباتها كالحرق والقطع والشبع والري بطبعها وذاتها فهو كافر بالإجماع، أو لقوه خلقها الله فيها ففي كفره قولان، والأصح أنه ليس بكافر بل فاسق مبتدع .. ومن اعتقد أن المؤثر هو الله لكن جعل بين الأسباب ومسبباتها تلازمًا عقليًا بحيث لا يصح تخلفها فهو جاهل ، وربما جره ذلك إلى الكفر، فإنه قد ينكر معجزات الأنبياء لكونها على خلاف العادة، ومن اعتقد أن المؤثر هو الله وجعل بين الأسباب والمسببات تلازمًا عاديًا بحيث يصح تخلفها الناجي إن شاء الله تعالى) (36) فهذه أربعة فرق اختلفت وكل فرقة يحكم عليها بما تعتقده، فالفرقة الأولى تجعل الطبائع مستقلة ولعلها تنكر أي أثر لقدرة الله تعالى في المسببات فهؤلاء هم الطبائعيون الذين لا خلاف في كفرهم وهم الذين أشار إليهم الإمام الشاطبي في قوله: (فالالتفات إلى المسببات بالأسباب له ثلاث مراتب، إحداها، أن يدخل فيها على أنه فاعل للمسبب أو مولد له، فهذا شرك أو مضاه له، والسبب غيرفاعل بنفسه(والله خالق كل شيء) (37) (38) ويؤكد ابن تيمية هذا المعنى بقوله: (وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا عائق مانع، فليس شيء من المخلوقات مؤثرًا، بل الله وحده خالق كل شيء فلا شريك له ولا ند له) (39) إذن الطبائع بنفسها لا تفعل إلا بإذن الله.