حياته، وأكب في تحصيل التركية والفارسية فأتقنهما مع حذقه للغة الجزائر وقبائلها التي يقال أنها من بقايا لغة قرطنجة المعروفة باللغة اللبيسية، وحين توفي والده اعتمد على نفسه في المطالعة والتنقيب والمراجعة والتحقيق وتفقد المكاتب والوقوف على نفائسها، فتمكن من التأليف وجمع الكتب النادرة والمخطوطات النفيسة إلى أن صار مرجعًا في كل فن، وحين بلغ الثلاثين من عمره كان كثيرًا من الأدباء والعلماء من أهل بلده وغيرهم يقصدونه لحضور مجلسه والاستفادة من مباحثه، وكان منهم مكتوبي الولاية السورية بهاء بيك الذي أحب العربية وأبناءها، وهو تلميذ ضياء باشا الوزير المشهور، فعقد العزم على السعي لدى والي الولاية السورية حينئذ مدحت باشا لإنشاء جمعية باسم: «الجمعية الخيرية» ، فأسست، وكان المترجَم من جملة مساعديها، فسعت في تأسيس المدارس، والمرحوم تفانى في خدمة وطنه، ففتح المدارس، وكان تعليم الأساتذة حسنًا جميعًا، حديث الأسلوب، وأسس مطبعة لطبع الكتب الدرسية باسم الجمعية، ولم يطل الزمن حتى عيّن المترجَم مفتشًا للمعارف في ولاية سورية، وكانت بيروت إذ ذاك من متصرفيها، فسعى بترقية المدارس في سنة 1316 في كل أنحاء الولاية، وبذل الجهد في إفادة الطلبة وتأليف كثير من الكتب الدرسية، فطبعت بعضها، وكان رئيس مجلس المعارف الشيخ علاء الدين عابدين نجل صاحب الحاشية المشهورة.
ومن أهم مساعيه: تأسيس «المكتبة الظاهرية» [1] الذي جمع إليها الكتب
(1) المكتبة الظاهرية: أشهر مكتبات سورية، تضم مجموعة قيمة ونادرة من المخطوطات العربية، ويرجع فضل إنشائها بدمشق للشيخ طاهر الجزائري عام 1880، الذي جمع شتات مخطوطات دمشق ووضعها في مكتبة القبة الظاهرية (الموسوعة العربية الميسرة ص:772) .