الصفحة 9 من 17

وهذه النتائج الكبيرة تصب جميعها في مصلحة المجاهدين كما بيّن الباحث (جورج فريدمان) في نشرة ستراتفورد للدراسات الجيوبوليتيكية و الاستخباراتية بعنوان: الدوافع الاستراتيجية لضربة بومباي

"تقريبًا كل التطورات من هذه النقطة ستفيد الإسلاميين، استراتيجيًا فإن هجمات بومباي كانت ضربة عاصفة دقيقة لإحراز نتائج غير مؤكدة ولكنها بالغة الأهمية سياسيًا بالنسبة للإسلاميين".

وإذا حاولنا تتبع هذه النتائج فإننا سنجد أنها تتوزع على المستويات الثلاثة: المحلي، الإقليمي، الدولي:

أولًا: على المستوى المحلي(الهندي):

1 -ضربة عسكرية وأمنية:

فضلًا عن الخسارة الكبيرة من الشرطة الهندية التي اعترفت بها الهند: 14 شرطيًا بينهم 3 ضباط كبار أحدهم قائد قوة مكافحة الإرهاب في مدينة بومباي رغم أن هدف العملية لم يكن توجيه ضربة لأجهزة الأمن الهندية، بل قُتل هؤلاء تم من أجل ضمان تنفيذ الأهداف الرئيسية في العملية، أو قتلوا أثناء الاشتباك مع المهاجمين.

فضلًا عن هذه الخسائر البشرية فإن الهجمات اعتبرت ضربة قوية لسمعة أجهزة الأمن الهندية، استقال بسببها وزير الداخلية الهندي، وكشفت ضعف هذا الجهاز وتخلفه الكبير في كل الميادين التسليحية والتأهيلية والتكنولوجية.

فهذا الجهاز العملاق من عناصر الشرطة والبالغ عددهم 2،2 مليون عنصر ضعيف جدًا من كل النواحي، فمن الناحية البنيوية يتصف بضعف القيادة لقلة عدد الضباط:100 ضابط لكل 10000 عنصر , أما في الدول الغربية فيصل العدد إلى 500/ 10000 عنصر.

كما أنه من الناحية التأهيلية ضعيف وذلك لقلة التدريب بسبب عدم توفر الذخيرة الكافية لتدريب هذا العدد الكبير من العناصر.

ومن الناحية التسليحية يتصف بأنه لا يزال يعيش في زمن الاحتلال الانكليزي للهند حيث أن تسليح معظم رجال الشرطة هو بندقية كانت تستعمل في الجيش الإنكليزي خلال خمسينيات القرن العشرين.

وكذلك فإن هناك نقص كبير في الخوذ و الدروع الواقية من الرصاص اللازمة للاشتباكات، وحتى الدروع المتوفرة للضباط فإنها غير فعالة في الوقاية من الأسلحة الحديثة كبندقية الكلاشنكوف AK-47 التي كان يستعملها المهاجمون.

ومن الناحية التكنولوجية فهناك ضعف شديد في مجال الاتصالات، حيث تحدث بعض رجال الشرطة لوسائل الإعلام أنهم لم يكونوا يمتلكون أجهزة لاسلكي لإدارة العملية وكانوا يستعملون أجهزة الهاتف الخليوي للاتصال ببعضهم أثناء العملية، أما المهاجمون فكانوا يستعملون الهواتف الخليوية وهواتف الأقمار الصناعية، وكذلك أجهزة الهاتف الكندية ( BlackBeary) للاتصال بالإنترنت ومتابعة أصداء العملية إعلاميًا.

ومن ناحية أخرى فقد شكلت الضربة فضيحة لأجهزة الأمن والبحرية والشرطة والجيش، وكل أجهزة الدول الهندية، كونها عجزت مخابراتيًا عن معرفة أخبار العملية قبل حدوثها، ثم عجزت عن منع احتجاز المهاجمين لسفينة هندية و استخدامها لدخول المياه الهندية ثم الوصول إلى الشاطيء، ثم عجزت عن حماية نفسها في مركز الشرطة، وحماية الهنود والأجانب والمرافق السياحية الهامة في المدينة والتي ضربها المهاجمون بسهولة، ثم احتاج الألوف من القوات الهندية المختلفة ثلاثة أيام لكي ينتصروا على 10 شباب.

لذا ليس غريبًا أن تُصرّ السلطات الهندية على اتهام المخابرات الباكستانية بالوقوف وراء العملية، من أجل التغطية على الفشل الكبير لها في التصدي لجماعة صغيرة من الشباب احتلت المدينة وشلت أجهزة الأمن والدولة بل وحتى السكان البالغ عددهم 13 مليون نسمة، وتحميل المخابرات الباكستانية الموضوع قد يحول القضية إلى صراع أنداد لكلٍ منهما جولة.

2 -ضربة سياسية:

يعتقد المحللون الغربيون أن أكبر ضحايا العملية سيكون حزب المؤتمر الحاكم الذي كان ضعيفًا أصلًا قبل العملية وكان عرضة لانتقادات كبيرة من الشعب وأحزاب المعارضة وعلى رأسها الحزب الهندوسي المتشدد BJP ( بهارتيا جاناتا) ، من جهة ضعف الحكومة وسوء أدائها.

فوفقًا للفاينينشال تايمز البريطانية فإن ‹‹ حزب المؤتمر الحاكم قد يدفع قريبًا الفاتورة السياسية للهجمات الدامية التي استهدفت بومباي، الشريان المالي والاقتصادي و السياحي، متوقعة أن ترفع الهجمات أسهم المعارضة القومية (الهندوسية) المتشددة ›› [2] فكانت العملية إذًا هي الضربة القاضية للحزب خاصة وأن موعد الانتخابات العامة في أكبر ديموقراطيات العالم (اضطهادًا للمسلمين) سيأتي في العام المقبل 2009، وستكون نتيجته حتمًا ضد مصلحة الحزب، وهذا الأمر يطرح علامة استفهام جديدة حول الجهة المنفذة كون أن توقيت العملية السياسي يشابه عمليات سابقة كعملية لندن (التي أعلنت القاعدة تبنيها) والتي أضرت كثيرًا بسمعة حزب العمال قبل الانتخابات، وعملية مدريد (التي لم تتبنها القاعدة) والتي يرى الكثيرون أنها أطاحت بحكومة أزنار وأجبرت ثاباتيرو على الانسحاب من العراق.

وهذا الضعف الكبير للحكومة والضغط الشعبي الكبير عليها والذي لن تنفع التضحية باثنين من المسؤولين بحجم الداخلية ومسؤول الأمن القومي في تخفيفه، الأمر الذي يخيف حكومات الغرب من أن تلجأ الحكومة في سبيل امتصاص الضغط الشعبي إلى عمليات عسكرية ضد باكستان قد تشعل حربًا في المنطقة المتوترة وتُفشل كثيرًا من استراتيجيات الصليبيين في المنطقة.

(2) - الجزيرة نت: 28/ 11/2008.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت