الصفحة 11 من 17

ثانيًا: على المستوى الإقليمي(منطقة وسط وجنوب آسيا):

إن هذا البعد في الحقيقة هو الأكثر استراتيجية في آثار عملية بومباي، نظرًا للتشابك الكبير في الملفات لذا فإن أي تغير يحصل لإحدى هذه الدول المشمولة في منظومة العلاقات الدولية هذه سينعكس بدوره على باقي عناصر المنظومة سلبًا أو إيجابًا.

فبتحليل هذه المنظومة نجد أنها تتألف من عدة عناصر هي: الحركة الجهادية، باكستان، أفغانستان، الولايات المتحدة، الهند. تقوم بينها علاقات متشابكة:

-الهند - باكستان:

صراع تاريخي حول منطقة كشمير، واستنفار دائم على الحدود بين البلدين، هذا فضلًا عن أن البلدين دخلا ثلاث حروب في الماضي، وهناك حرب باردة مستمرة بين الطرفين منذ استقلالهما.

-باكستان - أفغانستان:

المجاهدون في أفغانستان يستخدمون الأراضي الباكستانية كقاعدة خلفية لهم، ويستفيدون من الدعم الشعبي الكبير، ولكنهم في ذات الوقت في حالة حرب مع الحكومة الباكستانية العميلة لأمريكا، والتي قتلت ألوف المسلمين وهجرت مئات الألوف منهم في مناطق القبائل بسبب القصف الشديد و تهديم المنازل

و العمليات العسكرية المستمرة ضد المجاهدين في المنطقة والتي تسببت في جعل باكستان على حافة الهاوية لولا الدعم الأمريكي المقدم للحكومة الباكستانية من قبل الصليبيين.

-أمريكا - باكستان [1] :

من المعروف أن العلاقة الباكستانية الأمريكية القوية بدأت منذ أيام الحرب الباردة حيث كانت باكستان إحدى دول المحور الجنوبي في سياسة الاحتواء الأمريكية للاتحاد السوفيتي، حيث كانت بالإضافة لإيران الشاهنشاهية وتركيا أعضاء في الحلف المركزي وحلف بغداد وغيرها من الأحلاف الموجهة ضد السوفييت في المنطقة، بالإضافة لذلك فقد كانت الهند آنذاك مدعومة سوفيتيًا فكان الرد زيادة الدعم الأمريكي لباكستان والعمل على تقويتها عسكريًا من أجل الوقوف في وجه التوسع الأحمر جنوبًا باتجاه بحر العرب، وزادت تلك العلاقة قوة أثناء الغزو السوفيتي لأفغانستان حيث تحولت باكستان إلى قاعدة خلفية للمجاهدين وقاعدة أمامية للأمريكان والمخابرات الأجنبية المتعاونة مع الأفغان ضد الشيوعيين.

وبعد 11 سبتمبر أصبح دور باكستان أهم وتحولت إلى الحليف رقم ‹‹1›› للولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب، وهي تدعم الحرب الصليبية على أفغانستان، عن طريق استخدام الجيوش الصليبية أراضي باكستان للعبور والنقل، وكذلك يقوم الجيش الباكستاني بمحاربة المجاهدين الأفغان وحلفاءهم إرضاءً لأمريكا وبناءً على ذلك فقد حشدت أكثر من 100ألف جندي على الحدود مع أفغانستان في مناطق القبائل المتحالفة مع المجاهدين.

وبالمقابل فإن الولايات المتحدة تقدم لها الدعم العسكري من أجل زيادة قوة جيشها في مواجهة ‹‹ الإرهاب ››، حيث بلغ مجمل ما قدمته أمريكا من مساعدات عسكرية منذ بداية احتلال أفغانستان أكثر من 10 مليار دولار، بالإضافة للمساعدة التقنية وتدريب القوات الخاصة الباكستانية وقوات مكافحة الإرهاب التي قامت إحدى فرقها المدربة أمريكيًا بمجزرة المسجد الأحمر.

ومع انتخاب ‹‹عبد البيت›› باراك أوباما لرئاسة الولايات المتحدة، وهو الذي يعتبر أفغانستان الجبهة الحقيقية والرئيسية في الحرب على الإرهاب، ويعتبر أن الخطر الأكبر على أمن الولايات المتحدة يأتي من منطقة القبائل الباكستانية، وتوعّد بالقيام بعمليات عسكرية من قبل الجيش الأمريكي في تلك المناطق التابعة لباكستان وقد برر ذلك قبل انتخابه بأن ‹‹ هناك إرهابيين يختبئون في تلك الجبال هم الذين قتلوا 3000 أمريكي، وهم الآن يخططون لضربة أخرى، وإذا ما حصلنا على معلومات استخباراتية عن أهداف كبيرة تتطلب عملًا عسكريًا، ولم يفعل الرئيس مشرف شيئًا فإننا سنقوم بذلك بأنفسنا ››.

كما صرّحت بذلك أيضًا منافسته السابقة ووزيرة خارجيته المقبلة هيلاري كلينتون أثناء حملتها الانتخابية قائلة: ‹‹ إن الولايات المتحدة لن يكون بمقدورها النجاح في أفغانستان، أو تأمين أمريكا طالما بقي هناك ملاذ آمن للإرهابيين في شمال غربي باكستان ››، وعلى أساس هذه الاستراتيجية بدأ الجيش الأمريكي بشن غارات جوية على تلك المنطقة، أثارت احتجاج عملاءها في باكستان الذين زعموا أنها تمت دون موافقتهم من أجل امتصاص الضغط الشعبي الباكستاني.

-الهند - أفغانستان:

تقوم الهند بدعم حكومة كرزاي بشكل كبير جدًا، وخاصة من ناحية التمويل وتدريب قوات الجيش والشرطة، وتحاول المخابرات الهندية اختراق أفغانستان بأكبر شكل ممكن ولذلك افتتحت قنصليات في كل المدن الأفغانية المهمة، وذلك من أجل محاصرة باكستان وحرمانها من مداها الاستراتيجي الخلفي في حال حدوث أي حرب مستقبلية، وكذلك ضمان عدم مجيء أي حكومة موالية لباكستان في المستقبل، ولنفس السبب بدأت الهند بإقامة قواعد عسكرية في آسيا الوسطى (طاجكستان) .

-أمريكا - الهند:

اعتمادًا على سياسات التوازنات الإقليمية وإدارة الأزمات التي تتبعها الولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة تولي أهمية خاصة للهند في سياستها الخارجية، كون أنها بلد قوي عسكريًا وديموغرافيًا (سكانيًا) واقتصاديًا كما هو متأمّل ومخطّط له، وذلك لجعلها الند الإقليمي للصين القوة العسكرية والاقتصادية والسكانية المرعبة في آسيا، والتي لا يشك عاقل أنها ستترك مرحلة الاهتمام بالشؤون الداخلية قريبًا وستبدأ بمرحلة التوسع والهيمنة، لذا فإن تقوية الهند للوقوف في وجه التوسع الصيني مستقبلًا وإشغالهما بالصراع المتبادل سيوفر على الولايات المتحدة الكثير من المتاعب، خاصة وأن حليفيها الأساسيين في المنطقة (اليابان وكوريا الجنوبية) لا يصلحان لإدارة هذه المهمة بسبب افتقادهما لكثير من عناصر القوة التي تمتلكها الهند وإن كانتا أقوى اقتصاديًا في الوقت الحاضر.

(1) - تحولت أمريكا منذ دخولها أفغانستان إلى طرف إقليمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت