كما أن الولايات المتحدة تستفيد من الهند لزيادة الضغط على باكستان، وأي محاولة للحكومات الباكستانية للخروج من الخط الأمريكي ستقابل بإعلان لزيادة التعاون مع الهند، وهذه كانت الذريعة التي استخدمها مشرف للتحالف مع أمريكا في حربها الصليبية ضد المجاهدين في أفغانستان أي تهديد أمريكا بدعم الهند على حساب باكستان في حال رفضها جعل أرضها خاضعة لتصرف الجيوش الصليبية، ومع أن مشرف قدم كل شيء للصليبيين إلا أن أمريكا قوت علاقاتها مع الهند للأسباب التي ذكرنا سابقًا، ووصل الأمر إلى حد التعاون النووي بين البلدين مما يهدد ميزان القوى بين البلدين، وردًا على ذلك قدمت الصين لباكستان عرضًا بالتعاون النووي بين البلدين ردًا على التعاون الأمريكي - الهندي الموجه ضدهما.
وبالبحث في تأثير عملية بومباي على هذه المحاور من العلاقات نجد أن أكثر المحاور تأثرًا هما المحوران (الهندي-الباكستاني) والمحور (الأمريكي-الباكستاني) ، وبناء على مقدار تأثر هذين المحورين فقد أشار بعض المحللين أنهما كانا الهدف الإستراتيجي للعملية.
فعلى مستوى المحور الهندي-الباكستاني المتوتر أصلًا نجد أن استجابته للعملية كانت سريعة جدًا فمنذ الساعات الأولى للأزمة وقبل أن ينقشع دخان العملية سارعت الحكومة الهندية باتهام المخابرات الباكستانية بالوقوف وراء العملية إما بشكل مباشر بقيامها بالتمويل والتخطيط وتدريب العناصر المنفذة للعملية، وعلّلت ذلك بالمستوى الكبير للعملية الذي لا يمكن لمجموعة شباب أو حتى جماعة إسلامية أن تنفذها دون دعم مخابراتي باكستاني، أو أنها مسؤولة بشكل مباشر عن العملية بسبب قيامها بغض الطرف عن نشاطات الجماعات الإسلامية داخل أراضيها متهمة جهاز المخابرات الباكستاني بأنه مخترق من قبل ‹‹ المتشددين الإسلاميين ›› ويجب على باكستان لتظهر حسن نيتها أن تنظف جهازها من الإسلاميين، أو أن تخضع نشاطات هذا الجهاز لرقابتها أو رقابة الولايات المتحدة.
ثم بعد ذلك تم توجيه الاتهام الصريح لجماعة عسكر طيبة الكشميرية بالوقوف وراء العملية وهي التي تتهمها الهند بأنها تعمل وفق إرادة جهاز المخابرات الباكستاني ISI ثم زادت للقصة حبكًا أن ادعت أن جميع المنفذين للعملية هم باكستانيون.
ولتخفيف الاحتقان الشعبي الهندي ضد الحكومة فقد زادت الحكومة من حدة التوتر مع باكستان ورفعت حالة التأهب في جيشها إلى ‹‹ حالة الحرب ››، وقامت بتحريك قواتها إلى الحدود الباكستانية، و تهديد باكستان بشن هجمات عليها انتقامًا لضربات بومباي.
لقد كان هذا التحرك الهندي ضربة قاصمة للتوجه الغربي الذي أعلنه آصف زرداري متوجًا الجولات التي كان يقوم بها مشرف للتقارب مع الهند، وذلك بناءً على السياسة الأمريكية التي تستهدف إنهاء الصراع الهندي الباكستاني من أجل تفريغ باكستان لحرب المجاهدين في أفغانستان، وكان الأمر يجري على قدم وساق، فمشرف قام بعدة زيارات للهند وعقدت عدة قمم بين الحكومتين لحل النزاعات - دون المساس بقضية كشمير المركزية في النزاع - وبدا جليًا أن مشرف وتحت الضغوط الأمريكية مستعد لتقديم كافة التنازلات التي يريدها الهنود، وعلى المستوى الداخلي بدأ العبث بالوعي القومي الباكستاني من حيث محاولة تحويل وجهة العداء الشعبي عن الهند باتجاه المجاهدين، وبدأ السعي حثيثًا لتطبيق ذلك خصوصًا في الجيش لتغيير عقيدته القتالية، ثم كان آخر الخطوات هو إعلان آصف زرداري أنه يرى أن
‹‹الهند لم تشكل خطرًا على باكستان في يوم من الأيام››، وقد كان هذا التصريح قبل أيام قليلة من العملية، فجاءت العملية ناقضًا لما قاله زرداري عندما دقت الهند طبول الحرب ضد باكستان حتى قبل أن تتحرى عن الفاعل.
و بما أن هذه التطور على جبهة الهند يهدد الأمن القومي الباكستاني، فقد أعلنت الجيش الباكستاني أنه يستعد للحرب مع الهند، فقام بتحريك قواته الموجود على الحدود الهندية استعدادًا للحرب الممكنة.
ولكن مشكلة باكستان الحقيقية لا تكمن في إمكانية الاشتباك مع الجيش الهندي، فقد دخل الجيش الباكستاني ثلاث حروب سابقة، كان آخرها في العصر النووي للبلدين مما جعلها تقتصر على القصف المدفعي المتبادل عبر الحدود، ولم يتطور إلى شكل الحرب الشاملة بسبب التدخل الدولي و الردع النووي المتبادل.
فالرعب الحقيقي للجيش الباكستاني هو أن تعلن الهند الحرب على باكستان على الجبهة الشرقية في الوقت الذي ينشغل فيه الجيش الباكستاني في حرب المجاهدين على الحدود الغربية والتي هي في حقيقتها حرب أهلية،
إذ لا يمكن لجيش أن يقاتل بفعالية على جبهتين قويتين خاصة إذا كانت إحداهما داخلية، كما أن الجبهة الداخلية الباكستانية أشد ما تكون من التفكك بسبب ضعف الحكومة العميلة و غضب الشعب الباكستاني من الجرائم التي ارتكبتها الحكومة الحالية والسابقة ضد المسلمين في داخل باكستان وفي مناطق القبائل، والتي من أبرزها مجزرة المسجد الأحمر التي لم تجف دماء ضحاياها بعد، بالإضافة للأزمة الإقتصادية التي خلقتها الحرب الصليبية والتي جعلت باكستان دولة على حافة الإنهيار.
لذا سارع حكام باكستان إلى الإعلان عن أنهم سيسحبون الجيش من الحدود الغربية إذا قامت الحرب مع الهند على الجبهة الشرقية.
وهذا التصريح في الحقيقة لم يكن تهديدًا للهند، وإنما كان تحذيرًا للولايات المتحدة لكي تمنع الهند من أي تصرف ضد باكستان، لأن ذلك لن يسمح لها بالإستمرار في قتال المجاهدين في الوقت الذي تهدد فيه الهند الأمن القومي لها.
وانطلاقًا من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في حرب أفغانستان والتي يُعتبر الجيش الباكستاني أهم عناصرها من خلال قيامه بالضغط على المجاهدين و طردهم من مناطق القبائل، وضرب مؤخرة قواتهم، ثم إطباق الحصار عليهم إن هم تراجعوا إلى داخل أفغانستان، مما سيجبرهم على الدخول في مفاوضات مع الصليبيين من أجل تقاسم السلطة مع حكومة كرزاي العميلة،
ويساهم (كما يزعم الصليبيون) في انقسامات حادة بين المجاهدين وخاصة بين الطالبان والقاعدة، ثم بين الطالبان الراغبين في المفاوضات وأولئك الرافضين لها، مما سيمهد الأمر لتأسيس صحوات عميلة كصحوات العراق تقوم بمحاربة المجاهدين نيابة عن الصليبيين وأذنابهم من الجيش المرتد، وبالتالي قد يتم القضاء عليهم قبل إتمام المفاوضات مما سينهي خطرهم دون إعطائهم أي تنازلات أو حصة في الحكم، اللهم إلا وجودًا شكليًا في الحكومة العميلة لبعض من سينشقون عن الملا عمر الرافض للمفاوضات مع الصليبيين وأذنابهم المرتدين.
انطلاقًا من هذه الاستراتيجية فإنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح للجيش الباكستاني أن ينسحب من منطقة القبائل معطيًا الفرصة للمجاهدين هناك لتقوية أنفسهم و زيادة قوة المجاهدين في داخل أفغانستان مما سيسبب المزيد من الضغط على الجيوش الصليبية هناك والتي