فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 104

هذا كتابٌ إلى السَّكْن المقيم بالمعرّة، شَمِلَهم اللهُ بالسعادة، من أحمدَ بنِ عبد الله بن سليمان، خَصَّ به من عرَفَه وداناه، سَلَّمَ الله الجماعةَ ولا أسلمَها، ولمَّ شَعَثها ولا آلمها. أمّا الآن فهذه مناجاتي بعد مُنصَرَفي عن العراق، مجتمع أهل الجدل، وموطِن بقيّة السّلَف، بعد أن قضَّيت الحداثةَ فانقضت، وودّعت الشبيبة فمضَتْ، وحلبتُ الدَّهرَ أشْطُرَه، وجرّبت خيره وشرّه؛ فوجدتُ أقوى ما أصنعه أيّامَ الحياة، أن اخترت عزلةً تجعلني من النّاس كالبارِح الأرْوَى من سانح النَّعام. وما ألوت نصيحة لنفسي، ولا قصّرت في اجتذاب المنفعة إلى حَيّزي؛ فأجمعتُ على ذلك، واستخَرتُ الله فيه، بعد جَلائه على [1] نَفرٍ يُوثَق بحَصائلهم [2] ؛ فكلُّهم رآه حزْمًا، وعدّه إذا تَمَّ رُشدًا. وهو أمرٌ سُرِي عليه بلَيل، قُضِي بِبَقّة [3] ، وخَبَّت به النعامة [4] ؛ ليس بنتيج الساعة، ولا ربيبِ الشَّهر والسّنة، ولكنّه غَذِيّ الحِقب المتقادمة، وسليل الفكر الطويل. وبادرتُ إعلامَهم ذلك مخافَة أن يتفضَّل منهم متفضِّل بالنهوض إلى المنزل الجارية عادتي بسُكناه، ليلقاني فيه فيتعذّر ذلك عليه، فأكونَ قد جمعتُ بين سَمْجين: سوء الأدب، وسوء القطيعة. ورُبَّ ملومٍ لا ذنبَ له. والمثل السائر: "خَلِّ امرأً وما اختار". وما أسمحت القَرونُ بالإياب حتَّى وعدتها أشياء ثلاثة: نَبْذة كنَبْذة فتيق النُّجوم، وانقضابًا من العالم كانقضاب القائبة [5] من القوب، وثباتًا في البلد إنْ جلا [6] أهلُه من خوف الروم. فإن أبَى مَن يُشفق عَليَّ أو يظهر الشَّفَق [7] ،

(1) ... في الأصل: «عن» .

(2) ... حصائلهم: ما حصلوه من علم وتجربة، الواحدة حصيلة. وفي الأصل: «خصائلهم» بالخاء المعجمة، تحريف.

(3) ... في الأصل: «قصي سنة» .

(4) ... في الأصل: «رحيب النعامة» .

(5) ... في الأصل: «القابية» .

(6) ... في الرسائل: «حال» .

(7) ... في الأصل: «للشفق» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت