إلّا النَّفرة مع السَّواد، كانت نَفْرة الأعفر [1] أَو الأدماء.
وأحلف ما سافرِْتُ أستكثِرُ من النَّشب، ولا أتكثَّرُ بلقاء الرِّجال، ولكنْ آثرتُ الإقامةَ بدار العلم، فشاهدتُ أنفسَ ما كان لم يُسعف الزَّمَن بإقامتي فيه. والجاهلُ مُغالِب القدَر. فلَهِيتُ عَمّا استأثر به الزَّمان. والله يجعلُهم أحلاسَ الأوطان لا أحلاس الخَيل والرِّكاب، ويُسبِغُ عليهم النِّعمة سُبوغَ القَمْراء الطَّلْقة على الظَّبْي الغرير، ويُحسِنُ جزاءَ البغداديِّين؛ فلقد وصفوني بما لا أستحقّ، وشهِدوا لي بالفضيلة على غير عِلم، وعرَضُوا عليَّ أموالهم عرض الجِدّ، فصادفوني غير جَذِلٍ بالصِّفات، ولا هشٍّ إلى معروف الأقوام. ورحلتُ وهم لرِحلتي كارهون، وحسبي الله، وعليه فليتوكي المتوكِّلُون. اهـ.
وإنّما قيل له "رهن المحبسين" للزومه منزلَه، وكفِّ بصره. فأقام مدّةً طويلة في منزله مختفيًا، لا يدخل عليه أحدٌ. ثمَّ [إنّ] الناس تسبَّبوا إليه، حتَّى دخلوا عليه. فكتب الشيخ أبو صالح محمد بن المهذَّب إلى أخيه أبي الهيثم عبد الواحد بن عبد الله بن سليمان -رحمهما الله- في ذلك:
بشَمْسِ زَرُود لا ببَدْرِ مَعَانِ ... ... أَلِمَّا وإن كانَ الجميعَ شَجَانِي
أُراها أبَتْ إلَّا النَّوى بِي مَغْرَمًا ... ... ولو رَضِيَتْ هِجرانَها لكَفانِي
تَمُنُّ بإهداء السّلامِ تَجاهُلًا ... ... ولو عَلِمتْ أنَّ الرُّقادَ جَفانِي
هَبي هَجْعةً كيما أرى الطَّيْفَ مَرّةً ... بها تحتَ أرواق الدُّجَى ويَرانِي
لعلِّيَ أشْفِي عِلّتي بلِقائه ... ... فكم من خَليلٍ زارني فشَفَانِي
لقد أُولِع الدّهرُ المشتِّتُ بيننا ... ... ... لياليَ لا يعبثن بالرشقانِ [2]
وفَكُّ قيودِ اليَعْمَلاتِ مُقيّدًا ... ... مَدَى الدَّهرِ لا يُغني من الرشفانِ [3]
فما رجَّعت إلّا النَّحيبَ حمامةٌ ... ... ... ولا خَيَّمتْ إلّا بأيْكَة بانِ
(1) ... في الأصل: «الأعصب» وتصحيحه من الرسائل.
(2) ... كذا ورد البيت في الأصل.
(3) ... كذا ورد البيت في الأصل.