الظَّالم، ورأتني مضطرًّا إلى القناعة، فقالت هذا زاهد، وأنا في طلب الدُّنيا جاهد. وزادَ تَقوُّلُ القومِ عليَّ، حتَّى خشيتُ أن أكون كأحد الجهّال، الذين ورد فيهم الخبر المأثور عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( إن الله لا يَقبِضُ العلم انتزاعًا [نتزعه] من صُدور الناس، ولكنْ يقبِض العلمَ بموت العلماء، حتّى إذا لم يبقَ عالمٌ اتّخذ الناس رءوسًا جُهّالًا، فسُئلوا فأفتَوا بغير علم، فضَلُّوا وأضلّوا ) ). فغدوتُ حِلْسَ رَبْع، كالميتِ بعد ثلاثٍ أو سَبْع. ثمّ حدثَتْ عِلّة، كُنِي عنها في المستمع، وعافَتْ عن الحضور في الجُمع. وفي الكتاب العزيز {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَآسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} . وإنَّما ذكرت ذلك لينتهي إلى الموقف الأشرف أن تخلُّفي لمرض [1] ، عاق عن أداء المفترض. والإرماء، لا توجبه للشيء الأسماء [2] . وإنّ الذِّكر ليَطير، للَّرجُلِ وغيرُه الخطير. رُبَّ شجرةٍ شائكةٍ ظلُّها غير رَحْب، وماؤُها غير عذْب، اسمُها السَّمُرة وكنيتها أُمُّ غَيلان، تذكر في آفاق البلاد، وغيرها من أشجار الثَّمر إنْ ذُكِر نُكِر. ربَّ أسودَ كريه الرائحَة يُدْعَى كافورًا وعنبرًا، وقبيحِ الصُّورة [من البشر] يدعى هلالًا وقمرًا. وكيف يتأدّى العلم إليّ وأنا رجلٌ ضرير، نشأت في بلدٍ لا عالِم فيه. وإنّما تَشَبَّثُ النامية [3] ، بالجوازع [4] السَّامية.
(1) ... في الرسائل: «وإنما ذكرت ذلك لينتهي إلى حضرة عزيز الدولة أعز الله نصره أني تخلفت عن خدمته لمرض» .
(2) ... في الأصل: «والارتغاء ولا توجبه للشيء الأسماء» ، وقد وردت هذه الجملة هنا متقدّمة، وموضعها في الرسائل بعد قوله التالي: «إن ذكر نكر» .
(3) ... في الأصل: «نشبت الرامية» .
(4) ... في الأصل: «بالجوارح» .