مثال آخر: قال: اشتر للوفد الذين يحضرون إلي أو الضيوف شاة ، فقال: بكم ؟ قال: بما ترى أنه مناسب ، فهذا جائز ؛ لأن هذا وإن كان فيه شيء من الجهالة وربما يشتريها بثمن لم يخطر على بال الموكل ، لكن مثل هذا يكون قليلًا ، ومن ما يتسامح الناس فيه عادةً ، وحقيقة الأمر أن هذه المسائل فردية لكن ينبغي أن نعرف لها ضابطًا .
والضابط في ذلك: ( أن كل ما دل عليه العرف أو القرينة مما يحتمله كلام الموكل ، وليس فيه محظور شرعي ، فإنه صحيح ) ؛ وذلك لأن الأصل في المعاملات الحل ، فإذا لم تخالف الشرع ، ولم تخالف العرف ، ولم تخالف لفظ المتعاملين فإن الأصل فيها الصحة.
هل يصح التوكيل في الخصومة ؟
نعم فيجوز أن توكل شخصًا يخاصم عنك لأن الأصل في المعاملات الحِّل.
هل يجوز قبول هذه الوكالة أو لا؟
في ذلك تفصيل فلا يخلو من أحوال ثلاثة: 1- أن تعلم أنه محق. 2-أن تعلم أنه مبطل. 3-أن تتردد.
فإن علمت أن الموكل محق لكن خصمه خَصِمٌ جَدِلٌ ، فهنا يجوز لك أن تقبل الوكالة في الخصومة ، بل قد نقول: إنه يُشرع أو يجب ؛ لأن في هذا استنقاذًا لحق أخيك ، ونصرة له -أيضًا- أما نصرته ؛ فلأنك سبب لوصول الحق إليه ، وأما نصرة الظالم ؛ فلمنعه من الظلم.
وإذا علمت أنه مبطل لكنه اختار هذا الوكيل ؛ لأنه وكيل جدلي يستطيع أن يقلب الباطل حقًّا ، والحق باطلًا ، فهما لا يجوز أن تقبل هذه الوكالة ؛ لقوله -تعالى-: { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} .
وإذا ترددت فالسلامة أولى ، أي: لا تقبل الوكالة . فالذين يتوكلون ويسمون ( بالمحامين) ، فالمحامي إذا قال: هل يجوز أن أشتغل بالمحاماة؟ نقول: في هذا تفصيل ، إن كنت تحامي عن شخص عاجز عن دفع الظلم عن نفسه فهذا خير ، وهو دائر بين الوجوب أو الاستحباب ، وإن كنت تحامي من أجل أن تحصل على المال ، سواء كان صاحبك محقًا أو مبطلًا ، فهذا لا يجوز ، وإن علمت أنه مبطل صار ذلك أشد تحريمًا.