والدليل على ذلك أن الله تعالى قال: { إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم} ، فالرضا لا بد منه في جميع العقود حتى عقود النكاح -على القول الراجح- فيما إذا كانت البنت بكرًا.
أما المحال عليه لا يعتبر رضاه ، فلو أحال رجل بدينه على آخر ، وقال المحال عليه: لا أقبل ؛ لأن المحتال رجل سيء الطلب ، ويتعب المطلوب ، فلا يملك ذلك ، قال العلماء: لأنه -أي: صاحب الحق- يملك استيفاؤه بنفسه وبوكيله ، والمحتال كأنه وكيل ، فكما أن لصاحب الحق أن يوكل رجلًا خصمًا لدودًا في استيفاء حقه فله أن يحيله أيضًا.
وإذا امتنع المحيل عن الحوالة لكونه فقيرًا ، فهل يملك صاحب الدين أن يجبره على إحالته على دينه في ذمة غني؟
على كلام المؤلف لا يملك ؛ لأنه يشترط رضاه على كل حال. فلو قال الدائن: أنت الآن ليس عندك شيء ، لكن لك في ذمة فلان الغني الباذل كذا وكذا ، فأحلني عليه ، فقال: لا أحيلك ، فإنه لا يلزمه ، لكن لو رأى القاضي أن إحالته لا بد منها فله ذلك ، فالقول في هذه الحال لا يعتبر رضاه وأنه يجبر على الإحالة قول قوي ؛ لئلا يضيع حق صاحب الدين.
أما المحتال ففي رضاه تفصيل إن كان على مليء لم يعتبر رضاه ، وإن كان على غير مليء اعتبر رضاه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"مطل الغني ظلم ، وإذا أحيل أحدكم بدينه على مليء فليحتل"، ومفهومه أنه إذا أحيل على غير مليء لا يلزمه الاحتيال ، فصار المحيل والمحتال والمحال عليه باعتبار الرضا على ثلاثة أقسام:
الأول: من يعتبر رضاه بكل حال وهو المحيل.
الثاني: من لا يعتبر رضاه على كل حال وهو المحال عليه.
الثالث: من فيه التفصيل وهو المحتال ، إن كان على مليء لم يشترط رضاه ، وإن كان على غير مليء اشترط رضاه.
من هو المليء؟
هو القادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه. (وبدنه) أي يمكن إحضاره عند المحاكمة إلى مجلس الحكم ، فإن كان ل يمكن محاكمته شرعًا أو عادة ، فإنه لا يلزمه أن يتحول ، ولا بد من رضاه.