أما القسم الأول: فإننا نرى أنه لا يلزمه قبوله إذا جاء بأجود من نوعه ؛ لأن ذلك قد يُفضي إلى منَّة عليه في المستقبل ، فيقول: أنا لا أريد أن أتحمل قبول الطيب عن الرَديء لأني أعرف هذا الرجل ، غدًا يقطع رقبتي في المجالس، فيقول: أوفيته بأحسن من حقه وهذا جزائي ، فأنا أحسن إليه وأعطيه أحسن من حقه ثم هو يسيء إلي ! وهذا واقع؛ لأن كثيرًا من الناس الآن يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى ، ولذلك يقول المسلِم: أنا أريد أن يعطيني حقي ولا أريد غيره.
فنرى أنه لا يلزمه إلا إذا علم أن هذا الرجل لا يمكن أن يمن عليه في المستقبل بذلك ، فربما نقول: يلزمه ؛ لأن هذا من باب التيسير على أخيك.
وأما القسم الثالث: فنرى -أيضًا- أنه إذا جاءه بشيء من غير جنسه ورضي الآخر فإنه لا بأس به ، مثل أن يقول: هذه مائة صاع من البر بمائة صاع تمر سكري ورضي المسلم إليه ، فنرى أنه لا بأس بهذا؛ لأن البر والتمر ليس بينهما ربا فضل ، وهنا إذا أحضره هو وسلمه إياه انتفى ربا النسيئة ، فأي محظور في هذا؟فليس فيه ربا ولا ظلم ولا غرر.
فنحن نخالف الآن المؤلف في مسألتين:
الأولى: وجوب قبول الجيد عن الوسط من النوع.
الثانية: جواز أخذ غير الجنس إذا أحضره وصار القبض قبل التفرق ؛ لأنه لا يتضمن ربًا ولا ظلمًا ولا غررًا.
إذا جاء المسلم إليه بما وقع عليه العقد قبل حلوله فهل يلزم المسلم قبوله؟
نعم يلزمه قبوله إذا لم يكن عليه ضرر، فإن كان عليه ضرر مثل أن يسلم إليه بتمر ، أي: أعطاه دراهم على أن يأتيه بتمر في رمضان وجاءه بالتمر في رجب ، فهنا جاء به قبل محله ، فقال المسلم: لا أقبله ، وقال المسلم إليه: تقبله ؛ لأن هذا ثبت في ذمتي والتأجيل إرفاق بي ، وأنا مسقط لهذا الإرفاق فلا بد أن تأخذه.