الصفحة 112 من 375

أن يأخذ من فكر الكلمة بالتخوم فحسب، ثم يطبعه قناعة في القلوب والمشاعر.. الشاعر يقنع بالمبرهن عليه ليكون المحصول العقلي إيمانًا قلبيًا، وليس من مهمته أن ينظم جدلًا وفلسفة وشروحًا.

إن جماهير الشاهر سئمت من مسلمات الحقائق والقناعات بالتعبير المباشر، وأرادتها إيحاءات غير مباشرة تحقق القناعة والجمال.

وأما زعم سارتر أن"الشاعر دون الكلمات لأنها غايته"فزعم لا يتحقق إلا في شعر غير معتبر المضمون، أما الخلو من المضمون مطلقًا فلا أتصوره.

وهذا الزعم حجة لسارتر على أهل محضية الفن الذين أرادوا أن يجردوا الشعر من الالتزام.

وهذا الزعم حجة لو قيل:"إن الشعر لا يكون إلا ملتزمًا"، فتكون محضية الفن ناقضة لهذا القول، ولكن الواقع المشهود يبرهن على أن الشعر يقبل أن يكون أدب مواقف ملتزمًا، ويقبل أن يكون سلبيًا فيكون غير ملتزم.

فإذا صحت هاتان القضيتان بطل أن يكون الشعر غير قابل للالتزام.

إن الشاعر من منطلق واجبه الفني يجعل الكلمة ذاتها غاية له ليكون الأداء جميلًا، فإذا كان شاعرًا ملتزمًا جعل الأداء الجميل تعبيرًا عن موقف فجمع بين جعل الكلمة شيئًا وعلامة في آن واحد.

ومن آلاف الشواهد أذكر هذا المقطع من قصيدة أنشودة المطر.. يقول السياب:

[كالبحر سرج اليدين فوقه سماء.

دفء الشتاء فيه، وارتعاشة الخريف

والموت والميلاد والظلام والضياء].

سواء أكان موقف السياب مصيبًا أم خاطئًا فهو شاعر ملتزم لقضيته الوطنية بالمنظار الذي يرى أنه الأصلح.

لم يقل لنا هذا الشاعر الملتزم مباشرة:"إنني مبتهج للمناخ المنذر بتبدل الحال، ولكنني خائف من عنف وتجاوز يصاحب تبدل الحال.. ومهما كان الخوف فقد طال أمد الجفاف والظمأ والجوع فاشتقت إلى المطر الذي هو رمز تبدل الحال"… هذا موقف ملتزم لم يقله السياب مباشرة، وإنما قاله بأبلغ وأجمل إيحاء فني.

إنه يصور رؤية ضبابية ويشبهها بغيوب البحر دفئًا وارتعاشًا، وموتًا وميلادًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت