الصفحة 118 من 375

يشتركان في خصائص متناوبة، فالسجع والازدواج في النثر خصيصية موسيقية يتجمل بها الأدب، والقافية والوزن والإيقاع والنبر خصائص موسيقية يتجمل بها الشعر.

قال أبو عبدالرحمن: إلا أن العلامة الدكتور إبراهيم أنيس جزم برأي يتخطى ما صح من ارتباط الشعر بالغناء وهو يتحدث عن الإنشاد، فقال:"لقد أجمعت الروايات على أن الشعر العربي كان ينشد في أسواق الجاهليين فيهز قلوب السامعين هزًا، ويطرب القوم لموسيقى الإنشاد، وكان ينشد أمام النبي صلى الله عليه وسلم وفي حضرة الخلفاء فيطربون له.. أما كيف كان ينشد فلا ندري؟!."

ولاشك أن أصحاب الروايات القديمة قد عَنوا بالإنشاد شيئًا غي الغناء.

وليس بين أيدينا ما يدل على أن الشعراء في الجاهلية كانوا يتغنون بالشعر، وإنما تحدثنا الروايات دائمًا على الإنشاد وما فيه من قوة وحماس، وأن الشاعر كان ينظم القصيدة ويفد بها فينشدها في الأسواق مُفاخرًا أو مادحًا.

ولم يكن الغناء من عمل الشاعر ولا مما ينتظر منه .. وشعراء الجاهلية كانوا من خاصة العرب الذين أتيحت لهم فرص الثقافة اللغوية في تلك المؤتمرات الثقافية التي كانت تسمى بالأسواق، فكان الشاعر من الجاهلين يأنف أن يجلس مجلس المغني، وإنما كان يترك هذا للجواري والقيان، لأن الغناء أجدر بهن وأليق برخامة أصواتهن.

وأما ما أشتهر عن الأعشى من صناجة العرب فقد فسره كثير هنا غلبة العنصر الموسيقي في ألفاظ شعره إذا قيس بغيره، أو لأن شعره كان مما يصلح أن يتغنى به.

وقد جاءتنا الروايات القديمة بما يدل على أن الشاعر إذا لم ينشد شعره، وأراد أن يتغنى به: دفع به إلى جارية من الجواري ذوات الأصوات الجميلة ممن يحسن التلحين والعزف على الألآت الموسيقية تتغنى بالشعر في مجلس من مجالس اللهو والطرب" (6) ."

قال ابو عبدالرحمن: الغناء والإنشاد يتعاقبان وليس أحدهما بديل الآخر، بل لكل واحد وظيفته.

فالغناء تعبير موسيقي يسبق ولادة البيت ويصاحبها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت