الصفحة 122 من 375

والنغم والتقطيع .. فالشعر في أول أمره غناء، ومن ذكر الغناء فقد ذكر اللحن والنغم والتقطيع.. أو قل بعبارة موجزة: فقد ذكر الوزن .

والواقع أنا لا نعرف في تاريخ الأمم القديمة أن الشعر والموسيقى قد نشأ مستقلين، وإنما نشأ معًا ونَمَوَا معًا أيضًا، ثم استقل الشعر عن الموسيقى فأخذ يُنشد ويُقرأ .

وظلت الموسيقى محتاجة إلى الشعر في الغناء مستقلة عنه في الإيقاع الخالص، أو قل ظل الغناء نقطة الاتصال بين هذين الفنين.

وفي هذا العصر الحديث وحده أخذت الموسيقى تستغني عن الشعر استغناء تامًا، وتتخذ النثر أحيانًا موضوعًا لألحانها.

وأخذنا نشهد في الملاعب الموسيقية الفرنسية قصصًا تمثيلية موسيقية منثورة غير منظومة.

وأخذنا نجد أيضًا قطعًا موسيقية منفصلة منثورة غير منظومة، ولم نشهد في لغتنا العربية إلى الآن فيما يظهر غناء يعتمد على النثر دون الشعر.

وإنما الغناء العربي كله يعتمد على الشعر مهما يكن نوع النظم الذي يُلجأ إليه.

وإنما المسألة التي تستحق أن تدرس وأن يزال عنها الحجاب هي تاريخ الأوزان العروضية التي أحصاها العلماء: كيف نشأت، ومتى نشأت؟ .. وهل عرف العرب الجاهليون هذه الأوزان التي أحصاها الخليل والأخفش؟.. أو هل عرفوا بعضها واستحدث الإسلاميون بعضها الآخر؟.. وما الأوزان التي عرفها الجاهليون؟.. وما الأوزان التي استحدثها المسلمون؟.. وأي أوزان الجاهليين أسبق إلى الظهور؟.. وأيها تطور عن الآخر؟.. وما الأسباب الفنية الاضطرارية أو الاختيارية التي حملت المسلمين أن يستحدثوا من الأوزان؟.

كل هذه مسائل خليقة أن تدرس، وأن يزال عنها الحجاب.

ولكن ذلك ليس بالشيء اليسير الآن على أقل تقدير، فلنكتف بعرضها ولننتظر" (10) ."

قال أبو عبدالرحمن: ما ذكره العميد هو عين الصواب من ناحية أن وزن الشعر في الأصل قائم على الغناء.

وهو عين الصواب في رد دعوى أن العرب توهموا بحورًا ينظمون عليها، لأن البحور لا قيمة لها وزنية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت