الصفحة 123 من 375

إلا لكونها تستنبط قياس شعر مغني ملحن.

وليس بصحيح غض الدكتور النظر عن حركات الإبل، لأن ذلك ممكن فإذا صح نقله تاريخيًا أصبح متعينًا.

ودعوى حركات الإبل في تفسير نشأة الشعر ليست كدعوى تخيل الأعاريض.. ذلك أن التفاعيل وزن ميت لا ينشأ شعرًا، أما حركات الإبل ليست تفسيرًا لنشأة الشعر، بل تفسير لنشأة نوع من الغناء هو الحداء.

وإذا وجد الغناء وُزن به الشعر، وإذا وزن الشعر بالغناء استنبط النظر من الشعر الموزون بالغناء أسبابًا وأوتادًا وفواصل وتفاعيل وبحورًا.

قال أبو عبدالرحمن: والأوزان العروضية التي أحصاها العلماء نشأت عن شعر مروي عن عرب الجاهلية الأولى.. بعضه عرف وزنه من لحن غنائي لا يزال محفوظًا وقت التدوين، إذ من المحال أن ينسى وقت التدوين كلُّ غناءٍ يغني في الجاهلية.

ومنه ما نسي لحنه الغنائي فعرف وزنه إما بتلحينه بلحن غنائي جديد وإما بتقطيعه عروضيًا.

وكل إشكال عروضي إنما ينشأ عن التلحين الجديد أو التقطيع النظري.

فأما التقطيع النظري فلا عبرة به إلا أن يكون قياسيًا مباشرًا للحن غنائي حاضر موجود.

وأما التلحين الجديد فيضبط الشعر وفقًا للحن الجديد وزنًا ولفظًا، وليس من الضروري أن يضبطه وفقًا للحن القديم لفظًا ولإن ضبطه وزنًا.

وشاهدنا من شعرناالعامي الراهن الذي يمارس العوام نظمه إلى هذه اللحظة بداهة بالغناء والترنم.

فقد يكون للقصيدة ذات الوزن الواحد عدة ألحان غنائية، ولكن ليس كل لفظ يستقيم به اللحن، بل يصلح للحن من ذلك الوزن ما لا يصلح للحن الآخر من نفس ذلك الوزن.

وقد يتسائل متسائل ويقول: ما حاجتنا للغناء ما دام العروض الخليلي يزن الشعر كما ينطق وفق تفعيلاته؟!.

قال أبو عبدالرحمن: والجواب على هذا من جهتين:

أولاهما: أن الغرض بيان واقع الحال كما هو عندما كان العرب ينظمون شعرهم قبل وجود بحور الخليل.

وثانيهما: أن الأذن المدربة قد تغفل عن خلل الوزن فيبقى الغناء المحك النهائي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت