الصفحة 124 من 375

لأنه المحك أولًا عند ولادة القصيدة.

ولهذا ندفع التساؤل بتساؤل آخر، فنقول: هل كان الشاعر قبل أن يقول شعره يستحضر أوزانًا يقطع عليها كلماته ويعايرها بها حروفًا وكلماتٍ حتى تستقيم التفعيلة تلو التفعيلة، ثم يستقيم بعد ذلك البيت؟.

لو صح هذا التساؤل لما كان اكتشاف الخليل بن أحمد لعلم العروض إبداعًا علميًا محيرًا مثيرًا للعجب، لأنه حينئذ كان يتعاطى شيئًا يتعاطاه الشاعر من قبله.

وإنني ارى بقاء هذا التساؤل كما هو قائمًا مفتوحًا لمحاولة التقصي لكل الاحتمالات التي يظن أن الشاعر يعاير عليها شعره.

ونقدم كل احتمال أكثر رجحانًا على ما هو دونه، ثم نمحص هل ذلك الاحتمال هو الوحيد في كل حالة أم هناك مرجحاته أن الشاعر قبل أن يقول شعره يتخذُ له ميزانًا مسبقًا من لحن يتغنى به ثم يزن ألفاظ الشعر بأصوات اللحن.

وهذا أمر بينه ومثل أبو علي الحسن ابن رشيق، فقال وهو بصدد الحديث عن طريقة جماعة من الشعراء في النظم:"وقيل مقود الشعر الغناء به، وذكر عن أبي الطيب أن متشرفًا تشرف عليه وهو يصنع قصيدته التي أولها:"

جللًا كما بي فيك التبريح * * * أَغذاءُ ذا الرشاٍ الأغنِّ الشيحُ؟

وهو يتغنى ويصنع، فإذا توقف بعض التوقف رجع بالإنشاد من أول القصيدة إلى حيث انتهى منها" (11) ."

قال أبو عبدالرحمن: وهذه الطريقة وصى بها الشاعر حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه في قوله:

تغن بالشعر إما كنت قائله * * * إن الغناء لهذا الشعر مضمار (12) .

قال الأستاذ محمود كامل:"وكان الشعر هو مادة الغناء في جميع العصور، فالشعر والغناء صنوان ينبعان من نبع واحد، إذ أن الغناء تعبير موسيقي، والشعر تعبير لفظي" (13) .

قال أبو عبدالرحمن: قد يكون التعبير الموسيقي بغير كلمات مفهومة، والشعر لا يكون إلا بكلام مفهوم، ولا يكون إلا وفق تعبير موسيقي يستقيم به وزنه .. إذن الغناء ميزان الشعر ابتداء.

وربما أشكلت كليمتان: أولاهما لأبي علي الحسن ابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت