الصفحة 125 من 375

رشيق عندما قال:"وزعم صاحب الموسيقى أن ألذ الملاذ كلها اللحن.. ونحن نعلم أن الأوزان قواعد الألحان، والأشعار معايير الأوتار لا محالة" (14) .

وأخراهما لعبد الرحمن ابن خلدون عندما قال عن صناعة الغناء:"هذه الصناعة هي تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة" (15) .

قال أبو عبدالرحمن: فيفهم من الكليمتين أن الوزن المجرد من الغناء يوجد أولًا ثم يؤخذ منه اللحن الذي هو الغناء.

والصواب أن الغناء هو الأصل ومنه يؤخذ الوزن .. إلا أن الوزن الواحد يقبل أكثر من لحن، فإذا أريد إحداث لحن جديد لوزن ذي لحن قديم فإن الوزن حينئذ يكون أساسًا للحن الجديد، وليس أساسًا للحن بإطلاق، بل ما وجد الوزن إلا عن لحن.

ولا تكون القصيدة الموزونة قاعدة للحن بكامل المعنى الذي أراده ابن رشيق، ولا تقبل القصيدة تقطيع الأصوات بإطلاق كما قال ابن خلدون، بل قد يقتضي الجديد تغييرًا في الكلمات مع بقاء الوزن.

إن الشعر مادة الغناء في جميع العصور كما مر من كلام الأستاذ محمود كامل، وتلك الملاحظة ظاهرة تتبَّعها الأستاذ الدكتور شوقي ضيف فقال:"لا نأتي بجديد حين نزعم أن شعرنا العربي نشأ نشأة غنائية كغيره من أنواع الشعر الأخرى، فمن المعروف أن الموسيقى كانت ترتبط بالشعر منذ نشاته .."

نرى ذلك عند اليونان القدماء، فهو ميروس كان يغني شعره على أداة موسيقية خاصة، ونرى ذلك عند الغربيين المحدثين، فقد كانت توجد في العصور الوسطى جماعات تؤلف الشعر وتغنيه وهي المعروفة باسم تروبادور، وكان عندنا في مصر إلى عهد قريب جماعات (الأدباتية) وهي جماعات تؤلف الشعر وتنشده على بعض الآلات الموسيقية، ولا يزال الشاعر معروفًا في الريف وهو يلقي أشعار أبي زيد الهلالي وعنترة وغيرهما مضيفًا إلى إنشاده الضرب على أداته الموسيقية المعروفة باسم الربابة" (16) ."

قال أبو عبدالرحمن: وحسبنا من الشعر العالمي شعرنا العربي نجد الشواهد على أنه نشأ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت