عند آخر كل بيت وترشيده على الأسماع، وما ذلك إلا لما كان من تعانق تلحين الغناء وحركات الرقص وضرباته مع الإيقاع الشعري العربي في نشأته الأولى .. ويتضح هذا من استيفائه الأنغام الطوال والقصار ومواقع النبرات والنقرات، وتمسكه بقرار القافية الثابت، ليتم للنغم وحدته، وتتضح رناته في كل بيت، ولهذا قال حسان بن ثابت معبرًا عن هذا الارتباط الذي كان ملحوظًا لدى شعراء الجاهلية والشعراء المخضرمين:
تغن بالشعر إما كنت قائله * * * إن الغناء لهذا الشعر مضمار
ومعروف لدى دارسي الأدب العربي أن الغناء الجاهلي كان وثيق الصلة بالشعر، وأنه كان على ثلاثة أوجه هي:
النصب الذي كان يخرج من أصل الطويل في العروض.
والسناد الذي كان يستند إلى كثرة النغمات والذبذات والنبرات.
والهزج الذي كان يُرقص عليه ويصحب بآلات المزمار.
ولا يغيب عن بالنا أن هذه العلاقة أخذت في التوثيق مع الأيام حتى ليقاس كل لون من ألوان الغناء تلك بمقياس العروض، وحتى ليذكر صاحب الأغاني في مقمته أنه سيذكر اللحن وعروضه، لأن معرفة أعاريض الشعر تُوصِّل إلى معرفة تجزئته وَقِسَمِهِ الحادثة.
وقد ذكر المسعودي ما ذهب إليه ابن خرداذبة من قياس ألحان الغناء وإيقاعات الرقص في العصر العباسي بمقياس العروض.
وفي الفصول والغايات يضبط أبو العلاء المعري طائفة من ألحان الغناء بتفاعيل العروض من مثل قوله: إن الثقيل الأول ثلاث نقرات متساويات الأوزان وقياسه على مثال فعولن، وقياس الثقيل الثاني مفعولان .. أما خفيفة ففعولان بالسكون، وقياس الرمل على مثال لان مفعو أو كما يقول العروضيون فاعلاتن.
وقياس الهزج قال لي أو كما يقول العروضيون فاعلن.
ومن هذا يتضح لنا ارتباط الشعر العربي بالغناء وكذلك بالرقص، فإن الهزج والرمل وهما من أوزان الشعر اقترنا بالرقص كما اقترنا بالغناء.
ولعل ارتباط الشعر بالرقص وما يصحبه من دق الأرض بالقدم هو السبب الوحيد لوجود القافية في نهاية