الصفحة 138 من 375

أشعارهم مرنمين أفراحهم وأتراحهم وأحاسيسهم الوطنية والاجتماعية ترنيمًا موقعًا متخذين شعارهم في ذلك قول سلفهم القديم:

تغن بالشعر إذ ما كنت قائله * * * إن الغناء لهذا الفن مضمار" (50) "

قال أبو عبدالرحمن: الاستخفاف بشعر الحداثة إلى هذا الحد، ووصفه بأنه ممجوج غير مفهوم- ونحن نعرف روائعه في شعر السياب والبيتاني وعبد الصبور، وغيرهم- سببه الجهل بقيمة الفنية والفكرية.

وأما المطالبة بالعنصر الغنائي- بل الجمالي بعامة- فمطلب ضروري قصرت له كتبي الثلاثة:"الالتزام والشرط الجمالي"،"والقصيدة الحديثة وأعباء التجاوز"،"والعقل الأدبي".

ولكن ليس من الشرط أن يكون العنصر الغنائي عنصرًا تاريخيًا مأثورًا كوحدة القافية وتساوي الأشطر، وإنما المهم أن يكون غنائيًا فحسب.

ومن الغناء موسيقى الشعر الداخلية، وقد أفاض الدكتور شوقي ضيف عن تأثير الملحنين في الشعر بإيقاظ الإحساس بالموسيقى الداخلية (51) ، وتكلم عن غنائية البحتري، وعن وصف الموسيقى الداخلية بأنها قيم صوتية خفية، وامتحن مقاييس اكتشاف الموسيقى الداخلية لدى الآمدي وعبد القاهر وغيرهما، واكتشف فشل تلك المقاييس، واختار ما لاحظه لامبورن في كتابه أسس النقد من أن هذه الموسيقى يشخصها جانبان مهمان: هما اختيار الكلمات وترتيبها من جهة، ثم المشاكلة بين أصوات هذه الكلمات والمعاني التي تدل عليها من جهة أخرى، حتى تحدث هذه الصناعة الغربية (52) .

وعمق هذين الجانبين من كلام الجاهظ، واختار من شعر البحتري مادة تطبيقية لاستجلاء جمال الموسيقى الداخلية.

وقال الدكتور النعمان القاضي بعد مباركة للحداثين الذين لم يهدموا غذائية الشعر:"فلعل الموسيقى شعر (إذلم تنتظم نسَبُها وتتكامل كما انتظمت وتكاملت في شعرنا العربي.. وإذ تتساوى تمامًا أو يجب أن تتساوى تمامًا الحركات والسكنات في كل بيت من أبيات القصيدة حيث تلتقي دائمًا عند قافية موحدة) : توثق وحدة النغم، وتتيح الفرصة للسكوت"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت