أشد غموضًا من الألغاز .. تقرؤه فلا تفهم عنه شيئًا.
وكيف تستطيع أن تفهمه إذا كان أصحابه أنفسهم أغلب الظن لا يفهمون عنه شيئًا؟.
وبعد فلا ريب أن الشعر العربي المعاصر يعاني هذه الأيام حشرجة مؤلمة تحاول أن تقتله لكنه يتشبث بأسباب الحياة.
ولكن هل الشعر العربي وحده هو الذي يعاني أزمة حادة في هذا العصر؟.
كلا فالشعر في جميع أنحاء العالم يعيش الآن أزمة .. حتى أن الشعراء الأمريكيين مؤخرًا قد عقدوا مؤتمرًا تدارسوا فيه أسباب عدم إقبال القراء على الشعر في السنوات القليلة الماضية.
فالشعر العالمي جميعه قد تعرض أيضًا في ظل الحضارة الحديثة إلى كثير مما تعرض له الشعر العربي من ظروف التغيير والمنافسة.
والشعر الغربي على وجه الخصوص يعاني الآن أزمة حادة، لذا نراه يحاول الخروج منها بالاتجاه نحو الغناء كما يقول رواده الكبار ت.س.إليوت (48) .
وإذا كان الشعر الغربي الآن يتلمس الحل لأزمته في الاتجاه إلى الغناء تاركًا التمثيل والقصة، لأن النثر قد غلبه عليهما: فما بالك إذن بالشعر العربي الذي كان ولا يزال كما يقول طه حسين في حق: ليس من القصص ولا من التمثيل في شيء، وإنما هو غناء ليس غير (49) .
علاج أزمة الشعر العربي المعاصر إذن في أيدي الشعراء أنفسهم، فهم مطالبون الآن بأن يعيدوا له غنائيته القديمة، وأن يعيدوا له موسيقاه الممزقة المنفية، وأن يعيدوا له صدقه ووضوحه وبساطته السابقة .. هم مطالبون بإيقاف هذا الهزر النثري الغامض الذي يصر على تسمية نفسه بالشعر الحديث.. فما هو بالشعر وما ينبغي له، إن هو إلا كلام مبهم ممجوج.
هم مطالبون الآن باستثمار مواهبهم الإبداعية في ابتكار الأوزان اللحنية الجديدة، وبأن ييمموا وجوههم شطر الغناء الشعبي الشائع في بيئتهم، لاستلهام ألحانه الثرة العذبة في قصائد شعرية فصيحة، فهذا من شأنه أن ينعش فن الشعر، وأن يساعده في الخروج من أزمته الراهنة.
وأخيرًا هم مطالبون بأن ينظموا