الصفحة 160 من 375

فمرادهم بذلك تساوي عدد حروف أبيات القصيدة تبعًا لعدد ما في كل بيت من أسباب وأوتاد وفواصل.

والفلاسفة الذين تناولوا نظرية الشعر فيهم موسيقيون مختصون كالفارابي إلا أن نظرتهم تاريخية.. أي مقيدة بواقع الشعر العربي كما هو إلى عهدهم، وليست في رحاب ما يجب أن يكون عليه الشعر موسيقيًا دون تقيد بما كان عليه تاريخيًا.

كما أن نظرتهم إلى الشعر- وهي تاريخية محدودة- لا تبني على الألحان التي نشأت عنها أوزان الشعر، وإنما تنظر إلى الشعر في الأغلب وزنًا مجردًا من اللحن.

فأما النظرة الأولى فيجسدها مذهب ابن سبنا في كتابه"جوامع علم الموسيقى"عندما قرر أنه ليس من التناسب اقتران فعولن بفاعلن في بيت واحد، وعلل ذلك بأن هذا الاقتران ليس على الكيفية المطلوبة.

فهذا تعليل في إطار المألوف من عروض الشعر العربي وفق الألحان التي عرفها العرب فوجد بها وزن أشعارهم.

أما الألحان فمتجددة، وتقبل مختلف أنواع التعاقب، وليست العبرة بفاعلن أو مفعولن، وإنما العبرة بالبنى الوزنية كالمتحرك والساكن، لأنها تؤلف البنى النغمية، فتتألف آلاف الألحان.

وأما النظرة الثانية فقد ذكرها أبو الوليد ابن رشد، وقبله الفارابي في كتاب"الشعر"وكتاب"جوامع الشعر"، إذ رأى أن المحاكاة في الشعر إنما هي في الوزن لا في اللحن.. وهكذا ذهب الفارابي، إذ جعل الشعر العربي يقوم على الوزن ولم يجعل اللحن جزءًا منه.

قال أبو عبدالرحمن: والفارابي وابن رشد معذوران في هذه النظرة، لأن الشاعر العربي إلى عهد الخليل بن أحمد لا يعرف أوزانًا ولا عروضًا، وإنما يعرف ألحانًا غنائية عربية مأثورة محدودة اقتضت أوزانًا عربية محدودة، وهذه الأوزان هي كل ما وصل إليه الاستقراء لحصر أوزان ألحان العرب التي جاء منها شعرهم.

ثم انفصل الوزن عن اللحن، لأن وزن الشعر أصبح قياسًا سمعيًا وبصريًا لمأثور العرب الشعري.

والقياس السمعي يعني تطبُّع الأذن على بيت مجزءٍ إلى وحدات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت