أسبقية المضمون . أما كروتشه وأتباعه فيرون أن وسائل الفنان الإبداعية في حرفته إنما ترجع إلى الحدوس حيث أن الإيقاع والتوازن والوزن والتناغم هي جميعا أشياء حدسية، وليست إنتاجات عقلية . فكأن كل هذه الأشياء عندهم ليست إلا نتاجات غرائزية لحدوس الفنان . وهنا يكشفون حتى عن إماتتهم لحرية الفنان في خلقه ما دام ينتج غرزيًا تلك الحرية التي كانوا يريدون الإعلاء من شأنها .
إنهم صرحاء في إعلانهم عن موقفهم وتعبيرهم عن أزمة الحضارة في الغرب وانهيارها . فيعلنون عن وجهة نظرهم الجمالية المتمشية مع هذا الانهيار . وما المدرسة التعبيرية في الفن إلا أعلى مراحل الفلسفة المثالية المتأزمة في نطاق علم الجمال . هي مدرسة لا تريد أن تعبر عن الوقائع الموضوعية، ولا تريد أن تسلم الناس حتى يتغيروا فيغيِّروا. بل هي الذاتية التي وصلت بها أزمتها حتى الخناق" (59) ."
قال أبو عبدالرحمن: التلاعب باللغة ضلال فكري، واعتداء على منهج التفلسف، وليس في اللغة ولا في الواقع أن الفهم هو المضاهاة الفنية، وإنما الفهم نشاط ذهني ينتج عنه الأداء الفني .
والتوصيل هو الأداء الفني نفسه (الخلق بلغتهم) ، وهو موضوع الحدس .
وجعلُ الفن تعبيرًا عن العاطفة قَصْرُ للفن على بعض مهمته، وهو تحجيم لا يليق باللغة الشعبية فضلًا عن اللغة الفلسفية .
ولا مانع بلغة التشبيه أن نقول عن الفنان المرسل الحادس: إنه يُشْبه مَن يُوجِد ما يعرفه ! .
ولكن المتلقي إذا فهم شيئًا يدل عليه النص - وقام البرهان على أن الفنان لم يقصده -فقد تكون معرفة المتلقي حدسًا، وقد تكون بوسائط معقولة .
والروح المتردد في فلسفة كروتشه بددته فلسفة التمزق الاصطلاحي، فأفرغت الروح من معناها العرفي العام لدى أجيال الإنسانية، وادعت له معنى آخر هو العالم . أي ما هو خارج ضروبًا أربعة من الخبرة:
فهناك أولًا: الخبرة الإدراكية التي تدرك بها ما هو جزئي حيث تعبِّر الروح عن نفسها في