الصفحة 78 من 375

وقوعه، وما يحتمل وقوعه . والشاعر يدخل في تجربته هذا وهذا .

وميزة الشعر العظمى على النصوص التقريرية والعلمية أنه التعبير الأسمي إبداعًا وجمالًا، ولهذا لا يملك لغته العاديون .

وإذا كملت الأداة الفنية الجمالية للشعر شكلًا، وسمق مستواه المضموني في القيم الثلاث جمالًا ومنطقًا وخلقًا: لم يضاهه أي تعبير فني إلا حينما يقتضي المنطق (لخصوصية الموضوع) أن يكون التعبير بغير العناصر الجمالية الشعرية .

قال أبو عبدالرحمن: ولقد وصف الفارابي الشعر بأنه برهان كاذب (9) ووجه الكذب أن الأقاويل الشعرية توقع في ذهن السامعين الشيء المعبر عنه بدل القول، أو توقع فيه المحاكي للشيء (10) .

وكون الفن معرفة تصديقية لا يعني بالضرورة أن يكون التصديق تصديقًا منطقيًا، وإنما يلزم البحث عما يكون به التصديق، وذلك بالنظر إلى الفن تخيلًا ومحاكاة، وصلته بالواقع .

فأما التخييل فقد لوحظ أن التخييل الشعري انفعال عن تعجب أو تعظيم أو غم أو نشاط من غبر أن يكون الغرض بالمقول اعتقادًا ألبتة (11) .

وذلك الانفعال نفساني غي فكري تنبسط فيه النفس أو تنقبض من غير روية وفكر واختيار (12) .

والتخييل يحدث للمتلقي سلوكًا شرحه الفارابي بقوله"الإنسان إذا نظر إلى شيء يشبه بعضه ما يُعاف فإنه يخيل إليه من ساعته في ذلك الشيء أنه مما يعاف، فتتقزز نفسه منه وتتجنبه وإن اتفق أنه ليس في الحقيقة كما خيل له ."

كذلك يعرض للإنسان عندما يسمع الأقاويل التي تحاكي، فتخيل في الشيء أمرًا ما، وذلك أن الذي يراه ببصره فيخيل إليه أمرًا ما في ذلك الشيء لو وصف له ذلك بعينه بقول فإن ذلك القول كان يخيل له في ذلك الشيء الأمر بعينه الذي خيل فيه ما رآه ببصره، وذلك مثل الأقاويل التي تخيل الحسن في الشيء أو القبح أو الجور أو الخسة أو الجلالة .

فإن الإنسان كثيرًا ما تتبع أفعاله تخيلاته، وكثيرًا ما تتبع ظنه أو علمه، وكثيرًا ما يكون ظنه أو علمه مضادًا لتخيله،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت