والشاعر لا يختلفان بأن ما يرويانه منظوم أو منثور (فقد تصاغ أقوال هيرودوتس في أوزان فتظل ناريخًا سواء وزنت أو لم توزن) ، بل هما يختلفان بأن أحدهما يروي ما وقع علي حين أن الآخر يروي ما يجوز وقوعه.
ومن هنا كان الشعر أقرب إلى القلسفة وأسمى مرتبة من التاريخ، لأن الشعر أميل إلى قول الكليات، على حين أن التاريخ أميل إلى قول الجزئيات. وأعني بالكلي ما يتفق لصنف من الناس أن يقوله أو يفعله على مقتضى الاحتمال أو الضرورة" (8) ."
قال أبو عبدالرحمن: أحب أن يفرق المتأدبون بين ما هو شرط في الشيء، وبين ما هو كل شرط فيه، ليعلموا أن أي وزن يحقق وحدة لحنية أو وحدات لحنية شرط في تمييز الشعر عن بقية النصوص الفنية، ولكن الوزن ليس هو الشرط الفني الوحيد، بل لابد من عناصر جمالية مشتركة، وعناصر جمالية يتميز بها الشعر اصطلاحًا .
والمقارنة بين فنون النثر عمومًا، وفنون النثر الفني ستصطفي عناصر يتميز بها الشعر، ولعله أن تأتي لهذا مناسبة.
ولهذا لا يكون التاريخ شعرًا بمجرد الوزن، ولا يكون الموزون شعرًا بمجرد أن مضمونه مما يجوز وقوعه، وأنه لا يروي ما وقع فحسب .
بل المميز وجود التعبير الجمالي إضافة إلى الوزن وإن كان الموضوع رواية لما وقع .
وتفضيل أرسطو للشعر بأنه مرتبة من التاريخ وأميل إلى الفلسفة مفاضلة لا معنى لها لسببين:
أولهما: أنه لم يذكر وجه المفاضلة، وما لم يذكر وجه المفاضلة فلكل حقل مهمته، ولهذا لا تفضل السكر على الملح وإن كان السكر أحلى، لأن لكل واحد منهما وظيفته في الحياة، وإنما تكون المفاضلة عند ذكر وجه المقارنة .
وثانيهما: أن وجه المقارنة مختلف، فمقياس التاريخ شكلًا المباشرة والوضوح، ومقياسه مضمونًا خلقي ومنطقي .
والشعر مقياسه شكلًا الجمال والإيحاء والتخييل، ومقياسة مضمونًا المضاهاة والإبداع .
كما أن التفريق بين الشعر والتاريخ بأن التاريخ أميل إلى الجزئيات هو نفسه التفريق بين ما يُروى